والحكم الأخير؟ .. ولما ذا لا تكتفي بتقبل هذا الوضع ، والإغتباط به ، فإذا بك تصدر أوامرك إلى قواك التّنفيذية لكي تجعل نفسها في خدمته؟ ..
في هذا الوضع بالتحديد تكمن اللاأخلاقية ، وفي محاولة التّغلب عليه تبدأ المسئولية. وليست هذه المحاولة كامنه في مادية الحدث ، ولا يرجع إخفاقها إلى عجز حساسيتك ، ولكن حسم الموقف يكمن في الزّيادة الّتي تضيفها إليه ، في آخر تلوين تطبعه به ، وفي خاتم سلطتك الّذي تضعه عليه.
ومرة أخرى ، إذا كان الشّر ينزع حقا إلى أن يحدث لا محالة ، على الرّغم منك ، فلما ذا إذن تستقبله ، وتسارع إليه؟. إبق إذن على الأقل في مكانك ، ودع الطّبيعة تعمل ، ولن تفعل الطّبيعة شيئا بدونك ، أللهمّ إلّا إذا صار العمل إندفاعيا ، أعني لا إراديا ، ولا تبعة فيه ، ولا مسئولية.
وهكذا تتحدد المسئولية الأخلاقية ، تلك الّتي رأى دعاة الحتمية أنّها غير موجودة عند الإنسان من كلّ وجه ، فإذا هي على العكس تثبتها آراء خصومهم في كلّ مكان ، حيثما وجد قرار تنعقد عليه النّيّة ، ومهما يكن من إكراه الطّبيعة ، الّذي لا يقاوم في الظّاهر ، سواء أكان إكراها ماديا ، أم إجتماعيا ، أم نفسيا.
فما موقف القرآن الآن في مواجة المشكلة؟ ..
لنذكر أوّلا عنصرين جوهريين للإجابة ، صادفناهما في النّص ، أثناء هذا العرض :
١ ـ غيبية أفعالنا المستقبلة : (وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً) (١).
__________________
(١) لقمان : ٣٤.
