وإذا كانت إرادة الإنسان الفاضل ، وإرادة المجرم لا تمارسان غالبا إلّا في اتجاه وحيد ، فمعنى ذلك أنّ كلا منهما بدأ بأن شدّ إرادته إلى محرك خاص ، مع إحتفاظه بحريته في أن يأخذ ، ويدع ، ويتفنن ، كيفما شاء.
إننا مهما صعدنا إلى أعلى الدّرجات في سلم الفضيلة ، أو هبطنا متردين في منحدر الرّذيلة ، فإنّ أحكم النّاس كأشدهم فسقا ، كلاهما يستشعر في نفسه القدرة على أن يتوقف ، أو ينكص على عقبيه ، أو يعاود الكر. وإذا كانا لا يفعلان ذلك فلأنهما لا يريدانه ، لا لأنّهما لا يقدران عليه. فهما يستطيعان أن يقدما دليلا مرئيا وملموسا على هذه القدرة العملية ، في مواجهة الخصم ، الّذي ربما كان ينكر قدرتهما على أن يفعلا ما لم يتعوداه. بل لقد سبق لكلّ منا أن قدم هذا الدّليل ، غاية ما هنالك أنا لما كنّا مزيجا من الميزات والعيوب فإنّ الفرق بين الأشخاص لم يعد أن يكون مسألة نسبية.
ولا ريب أنّ فوق هذه الحرية الطّبيعية ، الّتي هي «قدرة مزدوجة» ، حرية أخرى أخلاقية بنوع خاص ، هي «الواجب بالمعنى الدّقيق».
فالحرية الأولى : هي القدرة الّتي نختار بها أيّا من النّقيضين ، والثّانية : هي «حسن استعمال» الأولى. فهي التّخلي النّهائي عن الشّر ، والإختيار الفعلي للأفضل. بيد أنّ الحرية هنا ليست حرية الخلاص ، تلك الّتي تبريء مسئوليتنا ، ولكنها الحرية الّتي تشترط المسئولية وتقوم أساسا لها. والمهم هو معرفة ما إذا كنّا في جميع الأعمال الإرادية نملك فعلا هذه القدرة على النّقيضين ، أي إذا كنّا ، رغم ضغط طبيعتنا ، وضغط الطّبيعة الخارجية في جانب حلّ معين (وحينما لا يستهدف هذا الضّغط إلغاء إرادتنا كلية ، كما في حالة التّنويم ، أو الجنون) ـ
