الطّبيعي لملكاتها ، وقواها ، وموضعها منها كموضع سائق القطار خلف ماكينته ، أوتي القدرة على أن يتدخل في كلّ لحظة لإيقافها ، أو تغيير سرعتها ، أو إتجاهها.
وهكذا نستطيع أن نوجه إختيارنا ، بأعظم ما نريد له من تنوع ، دون أن ننتهك قوانين الطّبيعة الظّاهرة ، أو الباطنة ، بل وبمساعدة هذه القوانين. نستطيع مثلا أن نحرك خيالنا ليمثل لنا بصورة أوضح ، وأدق ـ موضوع العمل الّذي أحالته العادة ، أو الغريزة إلى مخطط غامض مختلط ، ونستطيع أن نقرب من بؤرة شعورنا ما سبق أنّ رفضه في خلفيته ، وأن نركز فيه إنتباهنا ، وأن نقوم أسبابه ، وإذا لم نكشف لصالحه قيما داخلية أوردنا له قيما أخرى ، شخصية محضة ، وألححنا بكلّ ثقلنا ، بحيث نحول إرادتنا عن مجراها الحالي لتختار طريقا جديدة. وهي حتمية أيضا ، لو أردنا (١) ، ولكن بشرط أن تكون «محدّدة» ، لا «محدّدة» (محكومة لا حاكمة ، مقضية لا قاضية) ، إنّها ليست النيّر الّذي نتحمله بخضوع يشبه خضوع الرّهابنة ، ولكنها آلة ذات حدين ، نستطيع أن نمسك بها من كلا طرفيها ، كيما نضبطها بوساطة نوع من التّكليف المبدع ، الّذي يتوافق مع أي هدف من أهدافنا المتعارضة. وحيث قد أشتملت هذه الحتمية ، على تحديدات كثيرة ، فإنّها على هذا النّحو هي ذاتها غير محدّدة.
__________________
(١) وأقول : لو أردنا ... إذ الواقع أنّ الملكات الأخرى المسخرة لا تحدد بذاتها وحدها الإرادة مطلقا ، بل كلّ دورها أنّها تيسر لها الممارسة ، وتتيح لها فرصة أكبر كي تستعلن. وبالرغم من كلّ شيء ، أستطيع أن أقول : نعم ، ولكن لا أريد. ولكي أحافظ على وضعي ، وأبقى ممتنعا أمام جميع المثيرات ، سوف يكون أمامي دائما فرصة لأستعمل هذه الوسيلة الفعالة للمقاومة ، الّتي تتمثل في أن أحول عنها نظراتي ، وأفكر في أشياء أخرى.
