وهكذا يلتقي من طريق أخرى «برجسون» مع «كانت» ، فكلاهما يقرر عجز ذاتنا التّجريبية ، والشّعورية عن أن تفعل شيئا سوى تلقي عملها جاهزا من ذات أخرى ، أطلق عليها أحدهما : الذات الأساسية ، وأطلق عليها الآخر : الذات الماهية المعقولة [Moi noumenal] ، وكلّ ما يفرق بينهما في هذا المجال أنّ برجسون يضع هذه القدرة في واقع محسوس ، وقد كان بحكم إخلاصه لنزعته البيولوجية يدافع عن تلقائية «الدّفعة الحيوية» في نموها الطّبيعي ، الّذي تتحدى به جميع التّدبيرات المحسوبة.
غير أنّ هذه ليست أيضا الحرية بالمعنى الّذي يشغلنا ، فهي بدلا من أن تدعم مسئوليتنا الأخلاقية ، لا تفعل ـ على العكس ـ سوى أن نقوضها. فإذا كانت إرادتنا تنبثق من طبعنا ، وكان طبعنا مفروضا علينا قدرا مقدورا ، فإننا نظل في حلقة مقفلة : لا أحد يقدر أن يكون سوى ذاته.
إنّ الحرية الّتي تقوم كشرط لمسئوليتنا يجب أن نبحث عنها في مجال آخر غير الطّبيعة الواقعية ، أو المحتملة «الكائنة» ، أو الّتي في طريقها إلى التّكوين.
يجب أن تكون هذه الحرية ذات طابع يسيطر على الطّبيعة ولا يخضع لسيطرتها ، أو تكون ـ كما قال سبينوزا ـ «طبيعة فاعلة» لا «طبيعة منفعلة» (١).
والواقع أننا عند ما نجيب بالإيجاب على هذا السّؤال : «هل ما نزال «أحرارا» في قراراتنا ، مع وجود أمزجتنا ، وعاداتنا ، وأفكارنا ، وعواطفنا الرّاهنة؟» ـ فإننا نعلن بذلك أننا شيء مختلف ، أكثر من مجموع هذه المعطيات ، وأننا ما زلنا نملك فوق كلّ هذه الأنشطة الخاصة نشاطا آخر أسمى ، هو نشاط ذات محسوسة
__________________
(١) تعبيره بالفرنسية هو : une nature naturante, et non pas une nature naturee.
