وكلية ، قادرة على أن تنظم نفسها بألف طريقة مختلفة. ونزيد الأمر تأكيدا فنقول : إنّ إعلان هذا النّشاط ليس مع ذلك أدعاه لقدرة خيالية ووهمية ، وليس الأمر مطلقا أمر نقض كامل لعالم جواني ، ثمّ إعادة صنعه على حالة أخرى لم يكن عليها. وليس الأمر بالنسبة إلينا أنّ لدينا قدرة مطلقة على إختلاس عنصر ، أو مجموعة عناصر من كياننا ، أو منع حركتها ، أو عزل إرادتنا عن هذا المجموع ، لكي نمارسها في فراغ ، بلا دافع ، وبلا غاية. وليس المراد هو مواجهة الطّبيعة ، من حيث ما فيها من عنصر جوهري ، وحتمي ، بل مواجهتها من حيث ما فيها من عنصر مرن. قابل للتشكيل.
ومما نعترف بضرورته إطلاقا أنّ كلّ نشاط إرادي يفترض وجود دافع يحركه ، وأنّ كلّ حركة تستهدف غاية تبلغها. بيد أنّ هذا الدّافع ، وهذه الغاية ليسا وحيدين في الطّبيعة ، ولا سيما عند إتخاذ قرار فيه قدر من التّدبر وإعمال العقل.
إنّ ضلال الحتمية (ميكانيكية ، وديناميكية) لا يكمن في أنّها تستدعي صورة توازن في الدّوافع ، أو صورة دفعة من المزاج ، فأي إنسان يرقب أحواله بإنتباه يفطن إلى هذا التّناوب في الأهداف الّتي تتبدي له مع الأسباب الّتي تؤيدها ، بصورة تتفاوت في درجة إختلاطها كما يحس في نفسه نوعا من التّردد الّذي لا يتوقف إلّا بعد إتخاذ القرار. ولكن خطأ كلّ نظرية طبيعية يكمن في أنّها تغفل «حدثا وسيطا ، يعتبر هو اللحظة الحاسمة في تخلق القرار» ، وذلك حين تصور لنا الإرادة على أنّها نتيجة مباشرة لهذه الحالات الخاصة ، أو على أنّها أزدهار تلقائي لجذورها العميقة. فالمرء لا يحمل على أتخاذ القرار بنفس الطّريقة الّتي تجعله يرفع يده «ليهرش» في المكان الّذي يحتاج فيه إلى «الهرش» ، حتّى لو
