الحرة هي تلك الّتي تصدر عن هذه الذات ، والّتي تلخصها ، «وتنتزع منها كما تنتزع ثمرة ناضجة».
فمن الممكن إذن أن نتساءل : أليست الحرية ، في تعريفها على هذا النّحو ، هي في جوهرها حتمية الطّبع؟
أمّا برجسون فلا يخفي هذا ، وهو يقول : (عبثا ما ندعيه : إننا نخضع حينئذ لتأثير طبعنا ، فطبعنا هو أيضا ذاتنا) (١). وإذا كان الأمر كذلك فإنّ مشكلة الحرية لا يبدو أنّها تتقدم كثيرا ، فإنّ العبد إذا ما غير سيده لم يخرج عن كونه عبدا.
لقد كانت نظريات تداعي المعاني تقدم لنا تفاعل أفكارنا بشكل ما ـ على أنّه مباراة لكرة القدم ، تشتجر فيها قوى متضادة ، موجودة في داخلنا على هيئة ذات معزولة ، لا ينتصر منها إلّا أقواها. أمّا ديناميكية برجسون ـ فعلى الرّغم من التّنازلات الكبيرة ، الّتي منحتها لخصومها ـ فهي تعتقد أنّها تكشف عن عدد من الحالات ، ينبثق قرارنا فيها عن قوة واحدة ، بالغة العمق ، وهي تنمو وتزدهر ، بلا توقف ، كأنّها نار مستمرة.
ولكن مهما يكن ما نذهب إليه بشأن هذه القوة : واحدة أو متعددة ، عميقة أو سطحية ، فإنّ الميكانيكية ، والدّيناميكية تتفقان في الرّجوع إلى طبيعة يستحيل علينا أن نغير إتجاهها ، أو أن نوقف حركتها ، ومهما تكلمت الدّيناميكية عن «الحرية» وعن «الإحتمال» فإنّها تقرر أيضا «الضّرورة» ، و«الحتمية» ، أو إذا كان هناك إحتمال فأنّه إحتمال تقول به «ذات لا شعورية» ، تختار من بين إمكانات منطقية كثيرة ـ طريقة نموها ، إختيارا أعمى ، وعلى غير هدى.
__________________
(١) انظر ، ١ ـ Bergson. Essai sur les donnees Immediates de la conscience. ch. III p. ٩٢١
