الحرية عند برجسون. فأفعال الضّمير ـ كما يقول برجسون ـ لا توجد متفاصلة ، ولا تبقى برانية ، بعضها بالنسبة إلى بعض. فمتى ما بلغت عمقا معينا تتداخل ، وتمتزج ، وكلّ منها يعكس النّفس بأكملها. فمن المستحيل إذن أن نطبق عليها مبدأ السّببية ، الّذي يفترض وجود حدين متميزين ، هما السّبب ، والنّتيجة.
ومن ناحية أخرى : هذه الأفعال الجوانية لا تظل مماثلة لذواتها ، فمجرد بقائها وحده يعني ، أنّها تتغير ، وتتطور كأي كائن حيّ ، ولا ترجع بعد إلى وضعها الأوّل. وعلى هذا النّحو فإنّ نفس السّبب ، إن وجد سبب ، لا يمكن أن يظهر مرات عديدة ، وإذا كان يعطي نتيجته مرة واحدة ، فلن يعيدها بعد ذلك أبدا.
بيد أنّ لنا ملاحظة ، هي أنّ هذه النّظرية لم تستطع تخليص إرادتنا من ربقة السّببية الميكانيكية إلّا بشرط إخضاعها لسببية ديناميكية. والحقّ أنّها تقر التّفسيرين معا ، وترسم لكلّ منهما مجاله الخاص ، محتفظة للأوّل بنصيب الأسد.
ويقول برجسون : إننا طالما بقينا على أتصال بالعالم الخارجي ، وطالما إلتزمنا أوامر المجتمع ، فإنّ حالات ضميرنا تظل متقاربة على سطح ذاتنا ، ولا تندمج في كتلة الذات. ومن هنا كان إمكان أن تتداعى هذه الحالات ، بحيث يدعو حضور إحداها الأخرى. ولذلك ، فنحن نؤدي في أغلب الأوقات أعمالنا في حالة من الوعي الآلي ، وهي الأعمال الّتي تنطبق عليها النّظرية الميكانيكية.
فأما إذا حدث أن أنتزعنا أنفسنا من العالم الخارجي لكي نصبح وقد استرددنا ذاتنا ، وأن عدنا من المكان إلى الزّمان ، ومن اللغة إلى الفكر المحض ، ومن المشاعر المتلقاة إلى اقتناعنا الشّخصي ـ إذا حدث هذا ـ وهو أمر نادر جدا ـ فإننا نعود للأرتباط في الوقت نفسه بذاتنا الأساسية ، ولسوف تكون أعمالنا
