ولقد سبق أن قررنا أننا لا نميل إلى الفكرة الشّائعة لدى المعتزلة ، فهذا النّوع من الإختيار المعتسف يجب في كلّ حال أن يستبعد من موضوعنا ، لا لأنّه أدنى درجات الحرية فحسب ، على ما قال ديكارت ، ولكن لأننا نرى أنّ الإرادة اللامبالية هي إرادة ناقصة ، فهي ليست سوى نصف إرادة ، والنّصف الآخر آلية وصدفة. فأنا عند ما أقف في الصّباح أمام أزياء كثيرة ، كلّها لائق ، ومناسب للموسم ـ أجدني لحظة في إختيار محير ، ولكني تحت ضغط ساعة الرّحيل أعزم على إختيار واحدة ، أية كانت ، إنّ إرادتي لم تتصور هذا الزّي إلّا مع غض النّظر عن خصائصه ، ناظرة إليه على أنّه نموذج لفكرة عامة لم تحرم منها الّنماذج الأخرى. إنّ كلّ ما أحرص عليه هو أن آخذ زينتي بإحتشام قبل الخروج ، وهذا الجانب من عملي هو بكلّ تأكيد إرادي ، وله علته. ولكني من النّاحية التّفصيلية عند ما أقول : (سواء على هذا أو ذاك) أرفع يدي تلقائيا ، ولا يكون موضوع الإختيار هو ما أضعه أمامي.
ويختلف الأمر عن ذلك في مجال الأخلاق ، ففي هذا المجال تكون الإرادة دائما مانعة. فهي سلبية ، وإيجابية في آن واحد. إذ أنني حين أرغب في هذا لا أرغب في ذاك ، وهو ما يقطع أساسا بأفتراض باعث ، أيّا كان : «منفعة» أو «واجب». والأمر كذلك في كلّ إختيار إرادي بالمعنى الصّحيح. ولقد فطرت
__________________
ـ بالمرجح التّام ، وإذا ناظروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم ، وإثبات الفاعل المختار ، وإبطال قولهم بالموجب بالذات سلكوا مسلك المعتزلة والجهمية في القول بأنّ القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ، وعامة الذين سلكوا مسلك أبي عبد الله بن الخطيب ، وأمثاله تجدهم يتناقضون هذا التّناقض». (المعرب).
