ويرى هؤلاء المفكرون أنّه لكي يمكن إختيار أحد النّقيضين إختيارا نهائيا ، وتحقيقه ، يجب مطلقا أن تتوفر فيه بعض الشّروط الخاصة ، وأن تكون له علة تقتضيه اقتضائا تاما ، يجعل من المستحيل أن يختار النّقيض ، وإذا عدم هذا ظل الجانب المختار في حالة الإمكان ، دون أن يبلغ مطلقا درجة الفعل (١).
وتأتي بعد ذلك نظرية الخوارزمي ، والزّمخشري ، وقد أكتفيا ببعض الأسباب المرجحة ، بدلا من أشتراط ضرورة علة موجبة (٢).
ثمّ تأتي أخيرا نظرية أكثرية المعتزلة ، وهم يرون أنّ الإختيار الإرادي لا يتطلب وجود شيء سوى ذاته ، وفي رأيهم أنّ الفاعل المختار لا يمكن تحديده أو تمييزه عن الموجب بالذات إلّا بقدرته المزدوجة على الفعل ، أو التّرك ، بحسب إرادته وحدها ، وبنفس الإمكان ، دون أن يخضع ، أو يستمال ببعض الأمور الخارجة عن الدّفاعه الخاص. ومن المألوف في هذا الصّدد مثال الإنسان الّذي يواجه عدوه ، فيأخذ في الهرب ، ويجد نفسه في مفترق طرق ، فيختار أي الطّريقين المفتوحين أمامه ، ولقد تردد الرّازي ، وبعض الأشاعرة بين النّظريتين المتطرفتين (٣).
__________________
(١) انظر ، منهاج السّنة ، لابن تيمية : ١ / ١١٠.
(٢) انظر ، المرجع السّابق : ٢ / ٥ ، قال ابن تيمية : «وهو باطل ، فإنّه إذا لم ينته إلى حدّ الوجوب كان ممكنا ، فيحتاج إلى مرجح ، فما ثمّ إلّا واجب أو ممكن ، والممكن يقبل الوجود والعدم». (المعرب).
(٣) انظر ، منهاج السّنة : ١ / ١١١ ، وقد صور ابن تيمية تردد هولاء على هذا النّحو ، قال : كانوا «إذا ناظروا المعتزلة في مسائل القدر أبطلوا هذا الأصل ، وبينوا أنّ الفعل يجب وجوده عند وجود المرجح التّام ، وأنّه يمتنع فعله بدون المرجح التّام ، وينصرون أنّ القادر المختار لا يرجح أحد مقدوريه على الآخر إلّا ـ
