والّتي لا نملك شيئا لمقاومتها ، وبين علاقات هذه المطالب بإرادتنا.
ولسنا هنا نزعم أنّ الإرادة نظام منعزل ، يعمل مستقلا عن بقية كياننا ، فمع أنّها تجد في ذاتها القوة الكافية ، أو كما يقال في الفلسفة المدرسية (العلة الفاعلة) لأفعالها فإنّها بحاجة إلى أن تبحث خارجها عن دوافعها ، وعلتها الغائية ، الّتي لن تجد منبعها إلّا في الجانب الأدنى ، أو في الجانب الأعلى : الغريزة ، أو العقل. ولكلّ عمل شعوري ، وإرادي دائما علة ، وتتحدد ماهية هذه العلة تبعا لما إذا كان الإنسان يسعى إلى الخير الحقيقي ، أو المنفعة ، أو المتعة ، فيقول : لأنّ ذلك أفضل ، أو أنفع ، أو لأنّه يمتعني أكثر. فالمستبد الّذي يتخذ على وجه التّعسف قراراته ، دون أن يتردد ، أو يستشير ، ثمّ يقول : «أريد لأنّي أريد» ـ هذا المستبد يخضع في الواقع لنوع من السّبب الخفي ، لا يعدو أن يكون الحاجة إلى أن يظهر إستقلاله. وعند ما يتردد المرء في لحظة معينة بين أمرين يريد أن يعزم على أحدهما ، دون أن يجد مطلقا أدنى سبب يفرضه ، بل ولا أقل سمة من سمات التّفضيل ، ثمّ هو يعزم أخيرا على أحدهما ، لمجرد إلحاح ضرورة حسم الموقف ، ولأنّه كان لا بد أن ينتهي منه ـ فذلك لأنّه أفترض فيما وقع عليه إختياره أسبابا تتساوى على الأقل مع أسباب ما عدل عنه.
إنّ مشكلة تحديد الإرادة بوساطة دوافع ، أو علل أية كانت ـ قد أثارت في الفلسفة الإسلامية ثلاثة تيارات مختلفة ، هي الّتي نجدها لدى الأخلاقيين الأوربيين ، وهي الّتي تستنفد كلّ الحلول الممكنة.
ففي المقام الأوّل توجد نظرية جمهور أهل السّنّة ، ومعهم قليل من المعتزلة ،
