للحيوانات غير المستأنسة ، الّتي أصبحت بالترويض طيعة مستأنسة ، بعد أن كانت متوحشة متمردة ، فكيف لا يكون لدينا سلطان مباشر ، أو غير مباشر على طباعنا الخاصة ، كيما نغيرها إلى خير ، أو شر؟ .. ألا تنطوي أعماق هذا الحكم المتشائم على مقدمة متسرعة ، ودليل بليد؟ .. فقد أعتقد العقلاء ، في كلّ زمان ـ على عكس ذلك ـ في فاعلية الجهد الّذي نستطيع أن نمارسه على ذواتنا ، ويبدو أيضا أنّ التّجربة تؤكد إمكان التّحويل ، المتفاوت في درجة عمقه.
ويبدو كذلك أنّ القرآن يعترف من جانبه بهذه القدرة المزدوجة ، الّتي أوتيها الإنسان ، على أن يطهر كيانه الجواني ، ويحسنه ، أو يعميه ويفسده ، يقول الحقّ سبحانه : (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) (١).
ولنكن أقل طموحا ، ولنقرر ـ في الحقيقة ـ أنّ بعض عناصر طبعنا الأخلاقي تعصي على كلّ تطور ، أو تقدم ، بيد أنّ هذا الجزء ، ما كان له بداهة أن يكون موضوع التّكليف ، أو المسئولية. فقد يكون المرء ـ بطبيعته ـ حزينا ، أو فرحا ، متشائما ، أو متفائلا ، بليدا ، أو حساسا ، دون أن يكون ـ لهذا ـ لا أخلاقيا. والإنسان ليس مسئولا عن شذوذه النّفساني ، أكثر من مسئولية العليل عن عيوبه الجسمية.
وأخيرا ، وفي نطاق الفرض القائل : بأنّ جزءا من طبيعتنا يظل ـ مطلقا ـ عصيا على كلّ تعديل ـ يجب أن نفرق بين المطالب الّتي توحي بها ميولنا الفطرية ،
__________________
(١) الشّمس : ٧ ـ ١٠.
