قد تسبق هذا الإدراك ، وتتجاوزه ، وكما يحدث في جميع الحالات الّتي نرتكب فيها خطأ نظريا ، لا يكون هذا الخطأ سوى حكم إرادي ، أصدرناه على الأشياء الّتي نعتقد أننا ندركها ، على حين أننا لا ندركها في الواقع (١). وحتّى عند ما نلجأ إلى البداهة فإننا نفعل ذلك بحرية أيضا ، لأننا كنّا نستطيع أن نقاومها ، ولا نقرها ، (بشرط وحيد هو أن نرى من الخير أن نؤكد بهذا حقيقة إختيارنا الكامل) (٢).
ولنقف عند المشكلة الأخلاقية. أنحن في سعينا إلى الخير ، والشّر مصدر أحكامنا ، أنحن علتها؟ .. أم أنّها الثّمرة المحتومة لطبيعتنا الثّابتة ، أو النّتيجة الضّرورية لحالات ضميرنا السّابقة : الأفكار ، أو العواطف؟
أولع الحتميون بأن يقدموا لنا الطّابع الفطري في إطار صارم إلى أقصى حدّ ، لا يحتوي أية ليونة ، أو مرونة. فالميول الطّيبة ، أو الخبيثة الّتي نجتلبها معنا عند الولادة ـ هي فطرتنا ، فكيف نكون مسئولين عن فطرة ليست صنعتنا ، وهي على كلّ حال ليست صنعتنا الشّعورية (٣)؟.
بيد أنّهم لم يبرهنوا أوّلا على هذا الطّابع الثّابت ، والمقرر لغرائزنا ، ويبدو أنّ علم النّفس المقارن يثبت على العكس أنّ الغرائز الإنسانية أقل صرامة ، وأكثر قابلية للتغيير ، والتّربية ، يؤثر بعضها في بعض أكثر من غريزة الحيوان بسبب عددها الكبير ، وتعقدها البالغ.
وإذا كان الإنسان قد باشر ـ منذ الأزل ـ سلطانه على الصّفات الطّبيعية
__________________
(١) انظر ، المرجع السّابق : ١ ـ Reponses aux ٥ es objections
(٢) انظر ، المرجع السّابق : ١ ـ lettres au Pere Mersenne.lettre ٧٤
(٣) انظر ، ليفي بريل ١ ـ La responsabilite,Chap.III II
