هي أمر قطعي ، وفي رأيهم : أنّ الإرادة ، والحرية مترادفان (١). وعلى أية حال ، فإنّ هاتين الفكرتين تغطيان على وجه التّحديد نفس المجال. ولا يتعلق الأمر ، بطبيعة الحال ، أن ننسب إلى الإنسان القدرة الكلية على تنفيذ قراراته بحرية ، برغم جميع العقبات المادية ، وضد قوانين الطّبيعة الصّارمة. إذ يجب أن نكون قد فقدنا كلّ تفكير متزن حين نؤكد أننا نستطيع دائما أن نفعل ما نريد. وذلك بالرغم من حقيقة ما يقال ـ في الظّروف العادية للحياة العملية ، ومع تنحية الأعمال الّتي تحظرها قوة قاهرة ـ : إنّ (الإرادة هي القدرة) ، بيد أنّ المعنى الحقيقي للفظ ، وهو الّذي يريد المدافعون عن الإختيار الحرّ أن يثبتوه شرطا متحققا للمسئولية ـ ليس هو «حرية التّنفيذ» (الّتي يدركون نسبيتها وأرتباطها بألف ظرف خارجي) ، بقدر ما هو «حرية التّقرير» ، الّتي يعلنون أنّها لا تنفصم عن كلّ ضمير إنساني.
ولا أحد يضارع مطلقا «ديكارت» ، الّذي مدّ حدود نشاطنا الحرّ إلى أبعد مدى ، لا في مجال العمل فحسب ، بل في مجال المعرفة أيضا. فإرادتنا هي الّتي تحكم ، أو تمتنع ، هي الّتي تثبت ، أو تنكر. وتتجلى هذه الحرية أوّلا في الشّك المنهجي ، أي في القدرة الّتي نملكها على الرّفض الإرادي لجميع أحكامنا المسبقة ، وجميع معارفنا السّابقة ، النّاتجة من حواسنا ، أو من إستخلاص قياسنا ، سواء أكان هذا الشّك لكي نصدر على إثره ـ حكما بصدقها ، أو كذبها النّهائي ، أم لكي نعلق حكمنا عليها تعليقا محضا مجردا (٢). لكن هذا النّشاط يبدو بشكل موضوعي في أحكامنا العادية ، وهذه الأحكام لا يفرضها إدراكنا ، بل
__________________
(١) قال ديكارت في (الإجابات على الإعتراضات الثّالثة) : «إنّ الإرادة ، والحرية ليستا سوى شيء واحد».
(٢) انظر ، ١ ـ Descartes.Premiere meditation
