قال : وإنّ الرسم هو الحروف المتغايرة ، وهو : قراءة القرآن. وإنّه خطأ أن يقال : كلام الله هو هو أو بعضه أو غيره. وإنّ العبارات عن كلامه تعالى تختلف وتتغاير. وكلام الله ليس بمختلف ولا متغاير. كما أنّ ذكرنا لله يختلف ويتغاير ، والمذكور (هو الله تعالى) لا يختلف ولا يتغاير.
قال أبو الحسن الأشعري : فقد زعم ابن كلّاب أنّ ما نسمع التالين يتلونه ، هو عبارة عن كلام الله ـ أي تعبير عنه وليس نفسه ـ وأنّ موسى عليهالسلام سمع متكلّما بكلامه. وأنّ معنى قوله : (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ)(١) معناه : حتّى يفهم كلام الله ، ويحتمل ـ على مذهبه ـ أن يكون معناه : حتّى يسمع التالين يتلونه (٢).
قلت : مآل كلامه إلى أنّ ما كان يقرع مسامع الأنبياء ونبيّ الله موسى عليهالسلام بالخصوص إنّما هو كلام حادث خلقه الله ـ في الهواء أو الشجرة أو غيرها ـ ليكون معبّرا عن كلامه تعالى القديم. أي مظهرا له ومحلّا لتجلّي ذلك الوصف القديم. وليس نفسه ، كما في الإرادة القديمة والحادثة ، والعلم القديم والحادث ، شأن سائر صفات الذات ، التي لها تجلّيات هي حادثة تنبؤك عن ذلك الوصف القديم.
وقال القاضي عبد الجبّار : وذهبت الكلّابيّة إلى أنّ كلام الله تعالى هو معنى أزلي قائم بذاته تعالى ، مع أنّه شيء واحد : توراة وإنجيل وفرقان. وأنّ هذا الذي نسمعه ونتلوه حكاية كلام الله تعالى. وفرّقوا بين الشاهد والغائب.
قال : وما دروا أنّ ذلك يوجب عليهم قدم الحكاية أو حدوث المحكيّ ، فإنّ الحكاية والمحكيّ يجب أن يكونا من جنس واحد ، ولا يجوز افتراقهما في قدم ولا حدوث (٣).
وقد فصّل الكلام في إبطال قولهم : إنّه تعالى متكلّم لم يزل بكلام مخالف لكلامنا (٤).
وعلى أيّة حال فإنّ مذهب القول بقدم القرآن ، إنّما يعنى : أزليّة صفة كونه تعالى متكلّما ، نظير صفة القدرة والعلم والحياة ، وأنّ ما يبرز إلى الوجود عبر الزمان من مظاهر قدرته تعالى وعلمه وحكمته ، فإنّما هي تجلّيات لذلك الأصل القديم.
وأين هذا من القول بأنّ صياغة القرآن ـ في نظم جمله وتراكيبه ـ هي من صنع الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم؟!
__________________
(١) التوبة ٩ : ٦.
(٢) مقالات الإسلاميّين ٢ : ٢٥٧ ـ ٢٥٨.
(٣) الأصول الخمسة : ٥٢٧.
(٤) راجع : المغني : ٩٥ ـ ١١٦ ، فصل خلق القرآن.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ١ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4120_altafsir-alasari-aljame-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
