الثاني : أن يقول له : اقرأ على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بكذا ، فهذا يلقيه بلفظه الذي كان يتلقّاه ، من غير تبديل. كما كان الملوك يكتبون الرسائل ويرسلونها على أيدي الرسل فيوصلونها من غير تصرّف أو تغيير.
قال جلال الدين السيوطي ـ بعد نقل كلام الجويني ـ : والقرآن من قبيل الثاني ، كان يتلقّاه جبرائيل بلفظه ويلقيه على النبيّ كما تلقّاه من غير تصرّف فيه ، لا في لفظه ولا في معناه. ولم يجز له إلقاء المعنى فقط. والسرّ في ذلك : أنّ المقصود من القرآن ، التعبّد بلفظه ، وراء التعبّد بالعمل بمعناه. ولأنّه دليل الإعجاز ، فلا يستطيع أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه ، لا جبرائيل ولا غيره. وأنّ تحت كلّ حرف منه مقاصد لا تحصى ، فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليها (١).
قال الزرقاني : وقد أسفّ بعض الناس فزعم أنّ جبرائيل كان ينزل على النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم بمعاني القرآن ، والرسول يعبّر عنها بلغة العرب. وزعم آخرون أنّ اللفظ لجبرائيل وأنّ الله كان يوحي إليه المعنى فقط. وكلاهما قول باطل أثيم ، مصادم لصريح الكتاب والسنّة والإجماع ، ولا يساوي قيمة المداد الذي يكتب به. وعقيدتي أنّه مدسوس على المسلمين في كتبهم ، وإلّا فكيف يكون القرآن حينئذ معجزا واللفظ لمحمّد ولجبرائيل؟! ثمّ كيف تصحّ نسبته إلى الله واللفظ ليس لله؟! (٢)
أمّا الآيات التي استند إليها زاعم هذا الرأي ، فلعلّها على عكس مطلوبه أدلّ! ذلك أنّ المراد بالقلب في الآية هو شخصيّة الرسول الباطنة ، الآهلة لتلقّي الوحي من عند الله ، وليس هذا العضو الصنوبري الكامن في الصدور ، حيث إنّ أجهزة الإدراك عندنا لم تعدّ لاستلام هكذا تلقّيات ممّا وراء المادّة ، وإنّما تعمل في إطار محدود.
ونظير هذه المحدوديّة في المادّة ، الأمواج اللّاسلكيّة تتلقّاها أجهزة خاصّة بذلك ، تلقّيا بنفس الألفاظ وحتّى الصور والأشكال والألوان من مكان بعيد ، ممّا لا يمكن تلقّيها بهذا الحسّ الظاهري العاديّ.
وهكذا النفوس المستعدّة تستأهل لإدراك أمور تعجز الأحاسيس العاديّة عن إدراكها ما دامت على كثافتها الأولى ولم تبلغ لطافتها المتناسبة مع الملأ الأعلى.
__________________
(١) الإتقان ١ : ١٢٧ ـ ١٢٨.
(٢) مناهل العرفان ١ : ٤٩.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ١ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4120_altafsir-alasari-aljame-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
