إن قلت : لم أفرد الضمير ، وقد وقع الخطاب أولا بالجمع في قوله تعالى : (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ) ، فالجواب : أنه لما كانت حالة العسر أقل من حالة اليسر ، أفرد الضمير إشعارا بالوحدة الدالة على القلة.
قوله تعالى : (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ).
كان بعضهم يقول : الظاهر أن الجواب : أعد الله لهم وقرره بأن الآية تسلية للنبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ، والمناسب في التسلية تكرير الأشياء والمتسلي بها وإعداد العقاب أخص من العتو عن أمر الله ، فتعليق التسلية على الأخص أبلغ ، لان كل ما لزم الأخص لزم الأعم ، دون رده عليه بأن التسلية إنما تكون بأمر نزل جنسه لغير المخاطب ، وإما ذكر ما يحل من العذاب بقومه في الدن فيزيده غما وتأسفا وحزنا عليهم ، وإنما يتسلى بعتو مثالهم على كثير من الأنبياء ، فإن قلت : لم قرن الشدة بالجنان ، والنكرة بالعذاب ، فهلا قال : (فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً) ، قلت : الحساب ليس فيه ما ينكر والعذاب غير المعهود منكر.
قوله تعالى : (وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها).
لأن الإنسان قد يذوق العذاب ثم يعقبه الخير والسلامة.
قوله تعالى : (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ).
ابن عطية : لا خلاف بين العلماء أن السماوات سبع ، لقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً) [سورة نوح : ١٥] ، فسر رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ، أمرهن في حديث الإسراء حتى قال : " ثم صعدنا إلى السماء السابعة" ، وقال لسعد : " حكمت بحكم الملك من فوق سبع أرقعة" انتهى ، هذا ما يتم إلا على أصول الحكماء الفاسدة التي تخالف نحن فيها ، لأن كونها كذلك شدة ، إما للعقل أو للسمع ، فالعقل لا مدخل له في عددها ، وإن ادعوا إسناد ذلك إلى العادة ، فهي دعوى باطلة إذ لا يعلم ذلك بالعادة بوجه فلم يبق إلا السمع ، وهو مخالف لهم ومبني على أنها لا تقبل الخرق ، وأما عندنا فيصح قبولها للخرق ، كما نشاهده في جرم السمع وجرم الميناء تحرقه السفينة ، ويرجع كما كان ففي الممكن إن تلك الكواكب والشمس والقمر تحرقها كلها ، وتنتقل من سماء إلى سماء ، وإذا كان كذلك فيبطل استدلالهم على الطول ، وغير ذلك بالرصد ، ومذهب الحكماء أن السماوات كربطة البصلة ، واحدة فوق أخرى متلاصقة ، ومذهب أهل السنة أن بينها فضاء حاجزا ورده أن غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام ، وبين كل سماءين خمسمائة عام ، لكنه لم يصح ، وأشار له الزمخشري في سورة النازعات ، وذكر الحكماء : أن الأفلاك تسعة منها
![تفسير ابن عرفة [ ج ٤ ] تفسير ابن عرفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4001_tafsir-ibn-alarafah-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
