سورة قل يا أيها الكافرون
قال عرفة : القرآن كله مأمور بقوله وتبليغه وتخصيص ما خصص منه بالأمور بقوله (لَا) قرين إما تعظيما لأمره أو تهويلا لحاله واعتناء بشأنه ، وإما لأنه هو جواب عن سؤال مقدر كما قال (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً) [سورة طه : ١٠٥] (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [سورة الإسراء : ٨٥] فهذه الآية على أن الكفار طلبوا من النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم أن يعبد آلهتهم ويعبدوا هم آلهتنا فقال : " معاذ الله أن نشرك بالله شيئا" ، قالوا : ما [...] نصدقك ونعبدك [...] فنزلت السورة.
قوله تعالى : (لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ).
هذه حقيقة وصفية ، أي لا أعبد ما أنتم عابدونه من حيث كفارا ، قيل لابن عرفة : أنهم كانوا يشركون بالله ، قال (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ) [سورة الزخرف : ٨٧] فهل عابدون الله؟ قال : لا يصدق عليهم ذلك ، وإنما المعنى لا أعبد ما تعبدونه من حيث إنكم كفار تشركون بالله ، ولا تؤاخذونه ، بل اعبدوا الله عبادة توحيد واختصاص ، قال : واختلفوا هل هذا التكرار تأسيس وتأكيد؟ فمنهم من قال : أن المراد بالأول : الاستقبال ، وبالثاني : الحال فهو تأسيس ، وقيل : هما معا للاستقبال ، وهو تأسيس ؛ لأن الأول تضمنه نفي العبادة منه ، والثاني تضمن نفيها عنهم ، ونفي الشيء عن الشيء ليس هو نفيه عن غيره ، وأجاب بعضهم بأنه تأكيد لا يستلزم الأول له ؛ لأنه نفى عنه الذي سيعبدونه في المستقبل عن العموم ، فيتناول كل معبوداتهم في المستقبل على الإطلاق ، وقد يتوهم أنهم يسلمون في المستقبل ، فعبادتهم في المستقبل يلزم منهم عدم إسلامهم في المستقبل ، وأنهم لا يعبدون في المستقبل الأصنام بقوله (وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ) تأكيد بهذا الاعتبار إلا أنه ليس صريح بل مستفاد من اللزوم ، فإن قلت : الجملة الأولى قابل فيها مضارعين بمضارعين ، والجملة الثانية قابل فيها ماضيا بمضارع فما [...] في ذلك ، وأجاب الزمخشري : فيه إساءة أدب ، قال : لأن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن في ابتداء أمره يعبد الله عزوجل ، والكفار لم يزالوا في بدايتهم يعبدون الأصنام ، ورده شيخنا ابن عرفة ، بأن أكثر الأصوليين قالوا بأنه لم يزل متشرعا بشريعة إبراهيم عليهالسلام ، قال : وإنما الذي عادتهم يجيبون به : أن عبادة الأصنام لما كانت مذمومة شرعا أتى بلفظ الماضي الذي وقع وانقطع ، وعبادة الله تعالى لما كانت مطلوبة فرغب فيها شرعا ، أتى بها بلفظ المضارع الذي وقع ودام إشعارا بالحض على هذه ، وبالنهي
![تفسير ابن عرفة [ ج ٤ ] تفسير ابن عرفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4001_tafsir-ibn-alarafah-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
