وقوله : (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [الشعراء : ٣] ونحو ذلك من الآيات ، يشفق عليهم بتركهم الإيمان لما يعذبون أبدا في النار ، فعلى (١) ذلك قوله : (وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ).
أو كان يكبر عليه ويثقل إعراضهم لما كانوا يطلبون منه الآيات ، حتى إذا جاء بها لا يؤمنون ؛ من نحو ما قالوا : (وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ) [الإسراء : ٩٣] وغير ذلك من الآيات التي سألوها ، فطمع رسول الله صلىاللهعليهوسلم في إيمانهم إذا جاء بما سألوا من الآيات ، فكان الله عالما بأنه وإن جاءتهم آيات لم يؤمنوا ، وإنما يسألون سؤال تعنت لا سؤال طلب آيات لتدلهم على الهدى ، فقال عند ذلك : (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ).
أو أن يكون قوله : (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ) نهيا عن الحزن عليهم ، أي : لا تحزن عليهم كل هذا الحزن بما ينزل بهم ، وقد تعلم صنيعهم وسوء معاملتهم آيات الله.
وكذلك روي في القصة عن ابن عباس (٢) ـ رضي الله عنه ـ أن نفرا (٣) من قريش قالوا : يا محمد ، ائتنا بآية (٤) كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات إذا سألوهم (٥) : فإن أتيتنا آمنا بك وصدقناك ، فأبى الله أن يأتيهم بما قالوا ، فأعرضوا عنه ، فكبر ذلك عليه وشق ، فأنزل الله : (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ ...). يقول : إن قدرت (أَنْ تَبْتَغِيَ) يقول : أن تطلب (نَفَقاً فِي الْأَرْضِ) يقول : سربا (٦) في الأرض كنفق اليربوع (٧) نافذا أو مخرجا فتوارى (٨)
__________________
(١) في ب : من.
(٢) ذكره الرازي في تفسيره (١٢ / ١٧١) ، وابن عادل في اللباب (٨ / ١١٩).
(٣) (والنفر) ، محركة : الناس كلهم ، عن كراع ، وقيل : النفر والرهط : ما دون العشرة من الرجال ومنهم من خصص فقال : الرجال دون النساء ، وقال أبو العباس : النفر والرهط والقوم ، هؤلاء معناهم الجمع ، لا واحد لهم من لفظهم ، قال سيبويه : والنسب إليه نفري ، والنفير ، كأمير ، ج أنفار ، كسبب وأسباب ، وفي حديث أبي ذر : «لو كان هاهنا أحد من أنفارنا» قال ابن الأثير : أي قومنا. والنفر : رهط الإنسان وعشيرته ، وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة ، ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقال الليث : يقال : هؤلاء عشرة نفر ، أي عشرة رجال ، ولا يقال عشرون نفرا ، ولا ما فوق العشرة. وقوله تعالى : (وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً)[الإسراء : ٦] قال الزجاج : النفير جمع نفر ، كالعبيد والكليب ، وقيل معناه : وجعلناكم أكثر منهم أنصارا. ينظر تاج العروس (١٤ / ٢٦٧).
(٤) زاد في أ : عند ذلك.
(٥) في أ : سألوه.
(٦) السرب : حفير تحت الأرض لا منفذ له ينظر المعجم الوسيط (١ / ٤٢٥) [سرب].
(٧) بفتح الياء المثناة تحت ، ويسمى : الدرص ـ بفتح الدال وكسرها وإسكان الراء المهملتين وبالصاد المهملة ـ حيوان طويل الرجلين قصير اليدين جدا وله ذنب الجرذ يرفعه صعدا في طرفه شبه ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٤ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3970_tawilat-ahl-alsunna-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
