تأتيهم الملائكة وتأتيه ، قالوا : كيف يخصّ هو بإتيان الملائكة دوننا وهو كواحد منا ؛ كقوله : (لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [الحجر : ٧] وهذا جائز أن يكون أسئلة لم تذكر ، ويكون في الجواب بيان ذلك ، على ما ذكرنا من قبل في غير موضع.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ).
يصبر رسوله على تكذيب قومه ليعلم أنه ليس هو أول مكذب ، ولكن قد كذب الرسل الذين من قبلك ، ويخبره أنه يلحق هؤلاء بتكذيبك كما لحق أولئك بتكذيبهم الرسل.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَحاقَ).
قال أبو عوسجة : «حاق» أي : رجع ، يقال : حاق يحيق حيقا ، أي : رجع عليهم (١).
وقال الكيساني : حاق بهم أي : [أحاط بهم ونزل](٢).
وقوله ـ عزوجل ـ : (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ليس على الأمر بالسير في الأرض ، ولكن على الاعتبار والتفكر فيما نزل بأولئك بتكذيبهم الرسل ؛ لأنه ـ عزوجل ـ أراهم آيات عقلية وسمعية ، فلم ينفعهم ذلك ، فأراد أن يريهم آيات حسية (٣) ليمنعهم ذلك عن التكذيب والعناد.
قوله تعالى : (قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)(١٣)
قوله ـ عزوجل ـ : (قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ).
يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يخرج مخرج البيان لهم [و] أنه ليس على الأمر ؛ لأنه لو كان على الأمر لكان يذكر سؤاله لهم ، ولم يذكر وإن سألهم ، لا يحتمل ألا يخبروه بذلك ، فلما لم يذكر
__________________
(١) ذكره الرازي في تفسيره (١٢ / ١٣٥) عن الفراء بلفظ (عاد عليهم). وبنحوه ابن جرير في تفسيره (٥ / ١٥٤).
(٢) ذكره ابن جرير في تفسيره (٥ / ١٥٤) ، وبنحوه الرازي في تفسيره (١٢ / ١٣٥) ولم ينسبه لأحد والبغوي في تفسيره (٢ / ٨٦) ، وعزاه للربيع بن أنس والضحاك وعطاء.
وفي ب : حاط ونزل.
(٣) من الحس وأهل الإحساس الإبصار كما في قوله تعالى (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ) [مريم : ٩٨] أي هل ترى ، ثم استعمل في الوجدان والعلم بأي حاسة كانت من حواس الإنسان الخمس : السمع ، والبصر ، والشم ، والذوق ، واللمس. ينظر الفيومي في المصباح المنير (١ / ٥٢) (حسس).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٤ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3970_tawilat-ahl-alsunna-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
