وقوله ـ تعالى ـ : (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) تعلق بظاهر هذه الآية الخوارج والمعتزلة.
أما المعتزلة فإنهم قالوا : إنهم لما طلبوا الرد ولم يردهم لما علم أنه لو ردهم لعادوا إلى التكذيب ثانيا ، ولو علم منهم أنهم لا يعودون لكان يردهم ، فدل أنه إنما لم يردهم لما علم منهم أنهم يعودون إلى ما كانوا من قبل ، فيستدلون بظاهر هذه الآية على أن الله لا يفعل بالعبيد إلا الأصلح لهم في الدين ، وقالوا : لو علم منهم الإيمان لكان لا يجوز له ألا يردهم.
ومن قولهم : إنه إذا علم من كافر أنه يؤمن في آخر عمره لم يجز [له](١) أن يميته. وغير ذلك من المخاييل والأباطيل.
وقالت الخوارج : أخبر أنه لو ردهم لعادوا لما نهوا عنه ، وسماهم بالقول كاذبين بما في علمه أنهم لا يفعلون بما يقولون ، فعلى ذلك كل صاحب كبيرة إذا كان في اعتقاده الذي أظهره أنه لا يأتي بها ، فإذا أتى بها يصير فيما اعتقده ألا يأتي بها كاذبا ؛ ولذلك يجعلون أصحاب الكبائر كذبة في القول الأول أنهم لا يأتون بها ، وعلى ذلك كانت المبايعة بقوله ـ عزوجل ـ : (يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ ...) الآية [الممتحنة : ١٢] فإذا سرقن صرن كاذبات في البيعة (٢) ، كما جعل من ذكر كاذبا في الوعد إذا أخلف ، وعلى ذلك يجعلونه كافرا.
__________________
(١) سقط في أ.
(٢) للبيعة في اللغة معان ، فتطلق على : المبايعة على الطاعة. وتطلق على : الصفقة من صفقات البيع ، ويقال : بايعته ، وهي من البيع والبيعة جميعا والتبايع مثله. قال الله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ) [الفتح : ١٠] وفي الحديث أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال لمجاشع حينما سأله : علام تبايعنا؟ قال «على الإسلام والجهاد» وهو عبارة عن المعاقدة والمعاهدة. كأن كلا منهما باع ما عنده لصاحبه ، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره. ومثله : أيمان البيعة ، وهي : التي رتبها الحجاج مشتملة على أمور مغلظة من طلاق وعتق وصوم ونحو ذلك.
والبيعة اصطلاحا ، كما عرفها ابن خلدون في مقدمته : العهد على الطاعة ، كأن يعاهد المبايع أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين ، لا ينازعه في شيء من ذلك ، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره ، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد ، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري ، وصارت البيعة تقترن بالمصافحة بالأيدي.
هذا مدلولها في اللغة ومعهود الشرع ، وهو المراد في الحديث في بيعة النبي صلىاللهعليهوسلم ليلة العقبة ، وعند الشجرة ، وحيثما ورد هذا اللفظ ومنه : بيعة الخلفاء ، ومنه أيمان البيعة. فقد كان الخلفاء يستحلفون على العهد ويستوعبون الأيمان كلها لذلك ، فسمي هذا الاستيعاب أيمان البيعة.
ينظر : لسان العرب (بيع) الصحاح (بيع) تاج العروس (بيع) ، مقدمة ابن خلدون (٢٠٩).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٤ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3970_tawilat-ahl-alsunna-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
