وقوله ـ عزوجل ـ : (وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ).
يحتمل (لَكاذِبُونَ) أي : ليكذبون لو ردوا ، أو أنهم لكاذبون في قولهم : (وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي : يضمرون أنهم لا يؤمنون ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) إلى قوله : (وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) [المنافقون : ١] يقولون : إنك لرسول الله ، لكنهم لما أضمروا خلاف ذلك في قلوبهم سماهم كاذبين ، فعلى ذلك هؤلاء لما أضمروا في أنفسهم التكذيب وإن ردوا فهم كاذبون في ذلك.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَوْ رُدُّوا).
قيل : إلى الدنيا ، ولكن [لو](١) ردوا إلى المحنة ثانيا لعادوا لما نهوا عنه.
والثاني : أنه ذكر كذبهم بما اعتادوا العناد ، وظهر منهم الجحود في القديم ، فبذلك سماهم كذبة ، كما سمي أهل النار كفرة بما كان من كفرهم قبل أن يصيروا إليها ؛ فعلى ذلك هذا.
والثالث : أن يكون على الخبر عن عاقبتهم أنهم يصيرون كاذبين لو ردوا ، وعرض عليهم ذلك ، وبعث إليهم الرسل بالآيات ، لا أن يكذبوا في ذلك الوعد.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ).
قوله تعالى : (إِنْ هِيَ) يحتمل (هى) : الحياة الدنيا ، ويحتمل (هى) الدنيا.
ثم هذا القول يحتمل أن يكون من الدهرية ؛ لأنهم ينكرون البعث والحياة بعد الموت ، ويقولون : إن هذا الخلق كالنبات ينبت ثم يتلاشى ؛ فعلى ذلك الخلق يموتون ويصيرون ترابا ، ثم يحيون في الدنيا ؛ كقوله : (نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ) [الجاثية : ٢٤].
ويحتمل أن هذا القول كان من مشركي العرب لما لم يروا إلا الدهر ، ولم يشاهدوا غيره ، فظنوا أنه ليس يهلكهم إلا ذلك الدهر الذي تدور (٢) الدنيا عليه ، فإن كان ذلك منهم ، فإنما كان ذلك من كبرائهم ورؤسائهم على علم منهم بذلك ، أي : بالبعث ، يلبسون ذلك على السفلة والأتباع ؛ ليكونوا أشد اتباعا لهم وانقيادا ؛ لأنهم لو أعلموا الأتباع بالبعث بعد الموت لعلهم يتركون طاعتهم واتباعهم ؛ لما يشتغلون بالاستعداد لذلك والعمل له ، ففي ذلك ترك اتباعهم وطاعتهم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ).
أي : لربهم ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) [المطففين : ٦] وكقوله ـ
__________________
(١) سقط في أ.
(٢) في ب : يدور.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٤ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3970_tawilat-ahl-alsunna-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
