__________________
ـ الدليل الأول : قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)[المائدة : ٤٤].
ووجه الاستدلال بهذه الآية أن (وَمَنْ) من ألفاظ العموم لأنها اسم موصول موضوع للعموم ، وعموم الموصول بعموم صلته فيشمل كل من لم يحكم بما أنزل الله سواء أكان الحكم تصديقا أو عملا أو قضاء بين الناس ، فيدخل الفاسق لأنه لم يعمل بما أنزل الله كما دخل القاضي بغير ما أنزل الله وغير المصدق بما أنزل الله وقد ثبت لكل الكفر بمقتضى الخبر.
وقد نوقش استدلالهم بثلاثة أوجه :
أولا : أن هذه الآية غير محمولة على ظاهرها ؛ بل إن المراد من الحكم التصديق ، والمعنى : ومن لم يصدق بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، وإذا كان هذا هو المراد بالآية فإنها لا تشمل العاصي الفاسق لأنه مصدق بما أنزل الله.
والحقيقة : أن هذا الجواب ضعيف ؛ لأن سياق الآية في الحكم بمعنى القضاء لا بمعنى التصديق ، ولأن العرف في الحكم أنه بمعنى القضاء.
والجواب الثاني : أن الآية غير محمولة على ظاهره ، كما قيل في الجواب الأول إلا أننا هاهنا نقول : إن معناها : أن من لم يحكم بشيء أصلا مما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، وعلى هذا تكون الآية من عموم النفي لا نفي العموم.
والدليل على أن الآية غير محمولة على ظاهرها أن (ما) صيغة عموم وقعت بعد النفي فحقها أن تكون جزئية لا كلية حسب القاعدة المشهورة من أن العام إذا وقع بعد النفي كان جزئيّا ، أي أن عمومه سلب ، ولكن خولف هذا الظاهر هنا وبقي العموم على حاله ، والمعنى : ومن لم يحكم بشيء أصلا مما أنزل الله.
ولا شك أن هذا لا يشمل العاصي لأنه حاكم ببعض ما أنزل الله فلا يكون كافرا.
الجواب الثالث : أن المراد بما أنزل الله هو التوراة ، ويكون المعنى ومن لم يحكم من اليهود بالتوراة التي أنزلها الله فأولئك هم الكافرون. وعلى هذا تكون الآية في حق اليهود بدليل السياق ، ونحن غير متعبدين بالحكم بالتوراة ، وهم كفار بسبب حكمهم بغير ما أنزل الله وهذا الجواب هو أصح الأجوبة الثلاثة وأقواها.
الدليل الثاني : قوله تعالى : (وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ)[النور : ٥٥].
ووجه الاستدلال من هذه الآية أن ضمير الفصل (هم) قد حصر الخبر في المبتدأ ، وعليه فإن الفاسق يكون مقصورا على الكافر ، وعلى هذا يكون كل فاسق كافرا ، والعاصي فاسق فيكون كافرا.
وقد أجيب عن هذا الدليل : بأننا لا نسلم لكم ما فهمتموه من الحصر ؛ بل إن المحصور هو الفاسق الكامل في الفسق الذي هو الكافر ، والعاصي ليس كاملا في الفسق ولو كان المراد من الآية ما فهمتموه لم تصح الآية ؛ لأن الفاسق على رأيكم محصور فيمن كفر بعد ذلك فلا يتناول من كفر ابتداء مع أنه فاسق بالإجماع.
وبهذا قد ظهر أن الآية غير محمولة على ظاهرها وإلا لخرج الكافر ابتداء عن أن يكون فاسقا ، إذن يجب حمل الآية على الفاسق الكامل وهذا لا ينافي أن الكافر ابتداء فاسق.
الدليل الثالث : استدل الخوارج ـ ثالثا ـ بقوله صلىاللهعليهوسلم «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر فقد كفر» ووجه الاستدلال من هذا الحديث صريح في إثبات كفر تارك الصلاة.
وقد أجيب عنه بأجوبة ؛ أحدها : أن المراد من ترك الصلاة مستحلا فقد كفر.
الجواب الثاني : أن المراد بالكفر كفر النعمة أي سترها ولا شك أن تارك الصلاة كافر أي ساتر لنعمة الله تعالى فهو كفر بالمعنى اللغوي. ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٤ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3970_tawilat-ahl-alsunna-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
