__________________
ـ وأما الحديثان فواردان على سبيل التغليظ ، والمراد نفي الإيمان الكامل وترك القيد إشعارا إلى أنه لا ينبغي أن يصدر هذا الفعل عن المؤمن المطلق ، ولا يلزم من ذلك كذب ؛ لأن المراد المبالغة والتغليظ.
وقال بعض العلماء : إذا كان الحديثان واردين على سبيل التغليظ فهما من باب الكناية لا الحقيقة ، فهما كناية عن نقصان إيمان الزاني والخائن حتى كأنه عدم ، والمقصود بالكناية هاهنا المجاز الذي قرينته مانعة لا الكناية في اصطلاح البيانيين لأنها تجوز إرادة المعنى الأصلي وهو هنا ممتنع.
ذهب فريق آخر من العلماء إلى أن الحديثين مراد منهما الإنشاء والمعنى : لا تزنوا وأنتم مؤمنون ، فالمنهي مقيد بما ينافي المنهي عنه.
وذهب فريق ثالث إلى إن العاصي لا يقدم على المعصية وهو متذكر أن هناك عقابا عليها بل داعي المعصية يدعوه إليها ويسهلها له حتى ينسيه الإيمان المنافي لها وينسيه أيضا ما يترتب على فعلها من عقاب ، وذلك حاصل للجناة الذين يرتكبون القتل والسرقة فإنهم حين الفعل لا يتذكرون القوانين الرادعة ، ولو تذكروها وعرفوا حقا أنهم يؤاخذون بها لرجعوا.
ومن هذه الآراء جميعها يتضح لك بطلان ما فهمه المعتزلة من النصوص.
أضف إلى هذا أنه يدل على بطلان هذا الفهم الكثير من النصوص ، منها حديث أبي ذر رضي الله عنه حينما سمع رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقرأ قوله تعالى (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) فقال : وإن سرق وإن زنى؟ وكرر ذلك ثلاث مرات ، كل ذلك والرسول عليهالسلام يقول له : «وإن سرق وإن زنى» ، وقال له في الأخيرة «على رغم أنف أبي ذر» وغير ذلك من النصوص.
أدلة المذهب الثالث :
استدل الإمام الحسن البصري ـ رحمهالله ـ على قوله : إن صاحب الكبيرة منافق بدليلين :
الدليل الأول : قوله عليه الصلاة والسلام «آية المنافق ثلاث إذا وعد أخلف وإذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان».
وقد أجيب عن هذا الدليل بثلاثة أجوبة :
أحدها : أن هذا الحديث غير محمول على ظاهره بدليل أن من وعد غيره أن يعطيه ثوبا تفضلا منه ثم أخلف ولم يعطه لم يخرج بذلك إجماعا عن الإيمان. وعلى ذلك فالحديث معناه : أن هذه الخصال إذا صارت ملكة لشخص بحيث لا يصدر إلا عنها كانت أمارة على نفاقه ، وأما بدون كونها ملكة فلا تدل على النفاق كما حصل من إخوة يوسف حينما وعدوا أباهم أن يحفظوا يوسف وقد ائتمنهم عليه فخانوا الأمانة وكذبوا في قولهم «أكله الذئب» وما كانوا منافقين.
والجواب الثاني : أن الأمارة على شيء لا تكون دالة عليه قطعا فيجوز تخلف المدلول عنها.
والجواب الثالث : أن الكلام على التشبيه ، أي أن مرتكب هذه الأشياء مثله كالمنافق ، لأنه محكوم عليه بأنه منافق.
الدليل الثاني : واستدل الإمام الحسن البصري ـ ثانيا ـ على أن صاحب الكبيرة منافق بدليل عقلي : هو أن من اعتقد شيئا ، لا يعمل ما يخالفه ، كمن اعتقد أن في هذا الجحر حية فإنه لا يدخل يده فيه فإذا زعم ذلك ثم أدخل يده في الجحر علم أن قوله عن غير اعتقاد فكذا الحال فيمن ارتكب كبيرة فإن ارتكابها يدل على عدم اعتقاده.
ويجاب عن هذا الاستدلال بأنه قياس مع الفارق لأن مضرة الحية عاجلة محققة بخلاف عقاب الكبيرة فإنه آجل وغير محقق إذ يجوز العفو عنه.
أدلة المذهب الرابع :
استدل الخوارج على كفر مرتكب الكبيرة بأدلة كثيرة منها : ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٤ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3970_tawilat-ahl-alsunna-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
