__________________
ـ الثاني : نفي الإجماع ؛ حيث ثبت خلاف الحسن البصري في ذلك ، ومن المعلوم : أن المسألة لو كانت مجمعا عليها لما خالف فيها البصري رحمهالله ؛ لعلمه بحرمة خرق الإجماع.
وقد أجيب عن الاعتراض الأول : بأن السلف المجمعين كانوا لا يقرون بالواسطة بين المؤمن والكافر ولا يعرفونها ، فهناك مؤمن وكافر ، والأشياء التي تفعل شرعا لمؤمن لا يجوز أن تفعل لغيره الذي هو الكافر وأما كون أن هناك منزلة بين المنزلتين فهو أمر لا يقرون به ولا يعرفونه.
وأجيب عن الاعتراض الثاني : بأن الحسن البصري لم يخالف هذا الإجماع ؛ لأن الحسن لم يثبت الواسطة بين الإيمان والكفر المطلق فهو لا يقول بالمنزلة بين المنزلتين حتى يكون مخالفا للإجماع المنعقد على نفيها ، وإنما يقول بالواسطة بين الكفر الصريح والإيمان ، وهي الكفر المضمر.
وخلاصة هذا الأمر أن الحسن البصري لا يقول إلا بالواسطة بين مطلق الكفر والإيمان ، وإنما يقول بالواسطة بين الكفر الصريح والإيمان. والإجماع قائم على نفي الأولى دون الثانية ، إذ هي موجودة في الإسلام وكانت في عهد الرسول عليهالسلام موجودة بكثرة من المنافقين.
أدلة المذهب الثاني : استدل المعتزلة القائلون بأن صاحب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر ، فهو في منزلة بين المنزلتين بدليلين هما :
الدليل الأول : أن الأمة أجمعت على أن مرتكب الكبيرة فاسق ، ثم اختلفوا بعد هذا الإجماع ، فمنهم من قال : مؤمن ، ومنهم من قال : كافر ، ومنهم من قال : منافق ، فأخذ المعتزلة بالمتفق عليه وتركوا المختلف فيه وقالوا هو فاسق ليس بمؤمن ولا كافر ولا منافق.
وقد أجيب عن هذا الدليل بأمرين :
أحدهما : أن زعمكم أنكم قد أخذتم بالمجمع عليه وهو أنه فاسق ؛ ليس بصحيح بل إنكم لم تقتصروا على المجمع عليه ، فشمل قولكم الأمرين : المجمع عليه وهو الفسق ، والمختلف فيه وهو قولكم : إنه ليس بمؤمن ولا كافر ولا منافق ، أما لو كان مذهبكم أنه فاسق فقط لكنتم قد أخذتم المتفق عليه ؛ لأن الجميع متفقون على تسميته فاسقا ، وإن اختلفوا أيضا في معناه ، فالسني يقول : أي عاص ، والخارجي يقول : أي كافر ، والحسن يقول : أي منافق.
الجواب الثاني : أن دليلكم يبطل بمخالفته للإجماع على عدم وجود واسطة بين مطلق الكفر والإيمان.
الدليل الثاني : استدل المعتزلة على مذهبهم ثانيا بأن قالوا : إن صاحب الكبيرة لا هو مؤمن ولا كافر ، أما كونه غير مؤمن فلقوله تعالى (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً)[السجدة : ١٨] وقوله عليهالسلام : «لا إيمان لمن لا أمانة له» ، «ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» ووجه الدلالة من هذه النصوص أنها تدل على أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن حيث قابل الله المؤمن بالفاسق ؛ فدل على أن الفاسق غير مؤمن ، وهو فاسق بالإجماع ، ولأن كلا من الحديثين يدل على سلب الإيمان عنه.
وأما كون صاحب الكبيرة غير كافر فيدل عليه ما ثبت بالتواتر من أن المسلمين في كل زمن وعصر كانوا يدفنون صاحب الكبيرة في مقابر المسلمين ولا يقتلونه ولا يجرون عليه أحكام المرتد.
وقد أجاب أهل السنة عن هذا الدليل : بأننا نتفق معكم على عدم كفر مرتكب الكبيرة ؛ لذا فإننا نسلم لكم دليلكم عليه ، أما قولكم بأن صاحب الكبيرة غير مؤمن ، فغير صحيح ، وما استدللتم به من النصوص لا ينهض لمدعاكم ؛ لأنكم قد أسأتم فهمها لأن المراد بالفاسق في الآية الكافر لا صاحب الكبيرة ، والكفر من أعظم الفسوق ، وهو الذي يقابل الإيمان ، والقاعدة الأصولية تقرر أن المطلق يحمل على الفرد الأكمل ، ولا شيء أعظم في الفسق من الكفر. ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٤ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3970_tawilat-ahl-alsunna-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
