خاصة أنفسهم ، وفي حنايا قلوبهم فتقول : (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ).
والمضطر : اسم مفعول من الاضطرار الذي هو افتعال من الضرورة.
والمراد به : الإنسان الذي نزلت به شدة من الشدائد. جعلته يرفع أكف الضراعة إلى الله ـ تعالى ـ لكي يكشفها عنه.
أى : وقولوا لنا ـ أيها المشركون ـ : من الذين يجيب دعوة الداعي المكروب الذي نزلت به المصائب والرزايا؟ ومن الذي يكشف عنه وعن غيره السوء والبلاء؟ إنه الله وحده ، هو الذي يجيب دعاء من التجأ إليه ، وهو وحده ـ سبحانه ـ الذي يكشف السوء عن عباده ، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته.
وقولوا لنا ـ أيضا ـ : من الذي (يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ) أى : من الذي يجعلكم يخلف بعضكم بعضا. قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل (أَإِلهٌ مَعَ اللهِ) هو الذي فعل ذلك.
كلا ، بل الله وحده ـ عزوجل ـ هو الذي يجيب المضطر ، وهو الذي يكشف السوء ، وهو الذي يجعلكم خلفاء الأرض ، ولكنكم (قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ) أى : ولكنكم زمانا قليلا هو الذي تتذكرون فيه نعم الله ـ تعالى ـ عليكم ، ورحمته بكم.
وختم ـ سبحانه ـ هذه الآية بتلك الجملة الحكيمة ، لأن الإنسان من شأنه ـ إلا من عصم الله ـ أنه يذكر الله ـ تعالى ـ عند الشدائد ، وينساه عند الرخاء.
وصدق الله إذ يقول : (وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ ، وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ ، فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ) (١).
ثم انتقلت السورة الكريمة ـ للمرة الرابعة ـ إلى لفت أنظارهم إلى نعمه ـ سبحانه ـ عليهم في أسفارهم فقال ـ تعالى ـ : (أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ).
أى : وقولوا لنا ـ أيها المشركون ـ : من الذي يرشدكم في أسفاركم إلى المكان الذي تريدون الذهاب إليه ، عند ما تلتبس عليكم الطرق ، وأنتم بين ظلمات البحر وأمواجه ، أو وأنتم في متاهات الأرض وفجاجها.
وقولوا لنا : (مَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) أى : ومن الذي يرسل لكم الرياح لتكون مبشرات بقرب نزول المطر ، الذي هو رحمة من الله ـ تعالى ـ لكم ، بعد أن أصابكم اليأس والقنوط؟
__________________
(١) سورة فصلت الآية ٥١.
![التفسير الوسيط للقرآن الكريم [ ج ١٠ ] التفسير الوسيط للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3950_altafsir-alwasit-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
