(أَإِلهٌ مَعَ اللهِ) هو الذي فعل ذلك ، كلا ، فما فعل ذلك أحد سواه.
وقوله ـ سبحانه ـ : (تَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) تأكيد لوحدانيته وقدرته وتنزيه له ـ تعالى ـ عن الشرك والشركاء.
أى : تنزه الله وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين ، فهو الواحد الأحد في ذاته ، وفي صفاته ، وفي أفعاله.
ثم انتقلت السورة الكريمة ـ للمرة الخامسة ـ إلى لفت أنظارهم إلى نعمة أخروية ، بعد أن ساقت ما ساقت من النعم الدنيوية ، فقال ـ تعالى ـ : (أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) أى : قولوا لنا ـ أيها المشركون ـ من الذي في قدرته أن يوجد الخلق في الأرحام من نطفة ، ثم يحولها إلى علقة ، ثم إلى مضغة .. ثم يعيد هذه المخلوقات جميعها بعد موتها ، إلى الحياة مرة أخرى؟ لا شك أنه لا يقدر على ذلك أحد سوى الله ـ تعالى ـ.
ثم قولوا لنا (وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) بالمطر والنبات والأموال ، وبغير ذلك من ألوان النعم التي لا تحصى؟.
(أَإِلهٌ مَعَ اللهِ) هو الذي فعل ذلك؟ كلا ، لم يفعل ذلك سوى الله ـ تعالى ـ وحده ثم لقن الله ـ تعالى رسوله صلىاللهعليهوسلم الجواب الذي يخرس ألسنتهم عند المعارضة أو المجادلة فقال : (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ).
أى : قل لهم ـ أيها الرسول الكريم ـ عند معارضتهم لك ، أحضروا حجتكم وهاتوا برهانا عقليا أو نقليا ، على أن لله ـ تعالى ـ شريكا في ملكه ، إن كنتم صادقين فيما انغمستم فيه من جهل وشرك وكفر به ـ عزوجل ـ.
قال الإمام الرازي ما ملخصه : اعلم أنه ـ تعالى ـ لما عدد نعم الدنيا ، أتبع ذلك بنعم الآخرة فقال : (أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) ، لأن نعم الله بالثواب لا تتم إلا بالإعادة بعد الابتداء. فإن قيل : كيف قيل لهم : (أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) وهم منكرون للإعادة؟.
فالجواب : أنهم كانوا معترفين بالابتداء ، ودلالة الابتداء على الإعادة دلالة ظاهرة قوية ، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة ، صاروا كأنهم لم يبق لهم عذر في الإنكار .. (١).
وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة. قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها ، على وحدانية الله ـ تعالى ـ ، وعلى كمال قدرته ، وشمول علمه ، وانفراده بالخلق والتدبير ..
__________________
(١) تفسير الفخر الرازي ج ٦ ص ٤١٦.
![التفسير الوسيط للقرآن الكريم [ ج ١٠ ] التفسير الوسيط للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3950_altafsir-alwasit-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
