فإن خاف شيئا من ذلك فالإسرار أفضل ، وربما وجب.
وتحقيق القسمة : أن الذاكر وكل طائع إن قصد التأسي به وأمن المحبط استحب له الجهر ، وإن خاف المحبط أو لم يقصد التأسي أو قصده ، وليس أهلا له وجب الإسرار ، وإن قصد التأسي وخاف المحبط فالأحوط الإسرار.
وإن لم يقصد التأسي ؛ ولا خاف المحبط جاز الأمران ، وفي أيهما أفضل؟ احتمالان ؛ أصحهما الإسرار للحديث : «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي» (١). / [١١٨ / ل] واختصاص ذكره بالذات القديمة أفضل من ذكره في ملأ الملائكة ، (وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً.)
(أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً) (١٥١) [النساء : ١٥١] اعلم أن هذا توسط في الصورة ، وهو انحراف في الحقيقة ، فلذلك ذم بخلاف باقي التوسطات نحو : (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) (٢٩) [الإسراء ٢٩].
(قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً) (١١٠) [الإسراء ١١٠].
(وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً) (٦٧) الفرقان [٦٧] ونحوها ، فإن التوسط فيها محمود.
وتحقيق ذلك أن الحق لما كان تابعا للبرهان فتارة يكون في الوسط ، وتارة يكون في الطرف ، فإذا كان في الوسط كان التطرف انحرافا مذموما ، كما في قوله عزوجل : (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ) [الإسراء ٢٩] فهذان طرفان مذمومان والحق في الواسطة ، وهو القصد بين الإسراف والتقتير ، وإذا كان الحق في الطرف كان التوسط انحرافا مذموما كما في هذه الآية ، فإن الإنسان إما يؤمن بالله ـ عزوجل ـ وبرسله ، أو يكفر بهما جميعا ، أو يؤمن بالبعض ويكفر بالبعض ، فالحق في الطرف الأول ، فالثاني مع الواسطة انحراف باطل ، والغالب هو القسم الأول ، وهو كون
__________________
(١) رواه البخاري [٦ / ٢٦٩٤] [٦٩٧٠] ومسلم [٤ / ٢٠٦١ ، ٢٠٦٧] ح [٢٦٧٥].
