كتاب فضائل علي من حديث بريدة بن الخصيب أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «إن عليا مني وأنا منه ، وهو وليكم بعدي» هكذا بكاف الخطاب ، قالوا : والمفهوم من الولي هو الرئيس المطاع وهو معنى الإمام ، وهذا هو المفهوم من قولنا : ولي المرأة ، وولي اليتيم ، أي : الرئيس المطاع عليهما النافذ تصرفه فيهما. قالوا : وهذه أخبار الآحاد ، وإن كنا لا نقول بها ، لكنها تلزمكم ؛ لأنها حجة عندكم فنحن نوردها إلزاما لكم لا استدلالا عليكم.
وأما أبو بكر فليس منصوصا عليه باتفاق ، لأن مستند بيعته عندكم الاختيار والإجماع ، ولو كان منصوصا عليه لما احتيج إلى ذلك ، قالوا : فهذا الاصطفاء وهو معنى النص قد ثبت لعلي دون أبي بكر ، وأما البسطة في العلم فلقوله صلىاللهعليهوسلم «أقضاكم علي» ، وإنما يكون أقضاهم إذا كان أعلمهم ، ولأن من المشهور أنه كان له من الخوض في طلب العلم ما لم يكن لأبي بكر ، بدليل أن الصدقة بين يدي [نجوى] الرسول ـ عليه الصلاة والسّلام ـ لم يعمل بها أحد سوى علي ، حتى كان معه عشرة دراهم هو محتاج إليها ؛ فآثر تحصيل العلم على ضرورته وتصدق بها حتى استفاد من النبي صلىاللهعليهوسلم ـ عشر مسائل ، ولم يعرف مثل ذلك لغيره ، وكذلك نفوذه في الفقه وسرعة أجوبته في المشكلات كالمسألة المنبرية والدينارية وغيرهما مما لم يكن لغيره يدل على أنه كان أبسط في العلم من أبي بكر وغيره.
وأما البسطة في الجسم يعني القوة والشجاعة ، فلا يشك منصف أنه كان أشجع الصحابة أبي بكر وغيره ، أما أولا ؛ فلأن أبا بكر على ما ذكر في صفته كان شيخا ضئيلا نحيفا / [٢٩ / م] ولو لم يكن إلا إخبار النبي صلىاللهعليهوسلم بأنه ضعيف / [٦٠ / ل] في بدنه حيث قال : «رأيته ينزع بذنوب ، وفي نزعه ضعف والله يغفر له (١) ، وقوله : «إن تولوها أبا بكر تجدوه ضعيفا في بدنه قويا في أمر الله» ـ لكان كافيا في ضعف بدنه.
وأما علي فبالتواتر أنه كان عظيم الجسم ، شديد القوة ، عظيم المشاش ، ما صارع أحدا إلا صرعه ، ولا أمسك بعضد أحد إلا أخذ بنفسه ، وإنما سمي حيدرة تشبيها له بالأسد في الخلقة والقوة ، وكان مع ذلك شابا في عنفوان شبيبته ، ولا يشك أحد أن الشاب القوي الجلد أشد وأشجع من الشيخ الضعيف النحيف.
وأما ثانيا فإن خالد بن الوليد كان هو العلم المشهور في الصحابة بالشجاعة ، ثم لما بعثه النبي صلىاللهعليهوسلم وعليا إلى اليمن أمّر عليا عليه وإنما كان النبي صلىاللهعليهوسلم يقدم في كل أمر أقوم الناس
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب المناقب ح [٣٣٦١] ومسلم ح [٤٤٠٧].
