اضافةً إلى ذلك فقد ساد الأمن فيها ، وابتعدت عنها الآفات والبلايا والجفاف والمجاعة والخوف والوحشة ، وحتى قيل : إنّ الحشرات المؤذية قد هجرت تلك الديار أيضاً.
ولكن لم تمض مدّة قليلة حتى أُصيبوا بغرور النعمة وغفلة الرفاه ، فطغوا وكفروا بالنعمة في عدّة جوانب.
قال تعالى في هذا المجال : (فَأَعْرَضُوا فَأَرسَلنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وَبَدَّلنَاهُمْ بِجَنَّتَيهِمْ جَنَّتَينِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ* ذَلِكَ جَزَينَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَل نُجَازِى إِلَّا الكَفُورَ). (١) (سبأ / ١٦ ـ ١٧)
العجيب هو ماورد في بعض الروايات بأنّ مقدّمات انهيار ذلك السدّ الترابي العظيم قد حدثت مُسْبقاً من قِبل الفئران البريّة التي نفذت في السد وأحدثت فيه ثقباً كان يتّسع لحظةً بلحظة على أثر جريان الماء منه.
أجَلْ ، إنَّ سيلاً عظيماً متشكّلاً بالحقيقة من قطرات المطر ، وفعل عدد من الفئران البريّة قد أفنى حضارةً عظيمة ، وأهلك القوم الطغاة المتجبرين.
ومن قبيل هذه الحوادث حوادثٌ كثيرة توضّح علاقة قسم من البلايا مع أعمال الإنسان وعقوبته ، بحيث لو جُمعت لصارت كتاباً عظيماً.
وخلاصة الكلام وَوِفقاً للاستدلالات العقلية والمنطقية ، وآيات قرآنية كثيرة ، ووِفقاً للروايات والتأريخ ، فإنّه لا يُمكن إنكار كون قِسم ملحوظ من المصائب والبلايا النازلة بالظالمين والطواغيت ذات صيغة جزائية ، بالرغم من عدم إدراك الجهلاء والغافلين العلاقة بين العلة والمعلول هذه.
ومُسَلَّماً أنّ الله لم يكن ليظلمهم في مثل هذه الموارد بل كانوا أنفسهم يظلمون ، كما قال تعالى : (ذَلِكَ مِن أَنبَاءِ القُرَى نَقُصُّهُ عَلَيكَ مِنهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ* وَمَا ظَلَمنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُم). (هود / ١٠٠ ـ ١٠١)
* * *
__________________
(١) ورد تفسير هذه الآيآت وشرح هذه القصة في التفسير الامثل ذيل الآية المذكورة من سورة السبأ.
![نفحات القرآن [ ج ٤ ] نفحات القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3804_nafahat-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
