وكان لصاحب الكفاية رحمهالله هنا بيان جيّد ، وهو قوله : «وأمّا الامور الاعتقاديّة التي كان المهمّ فيها شرعا هو الانقياد والتسليم والاعتقاد بمعنى عقد القلب عليها من الأعمال القلبيّة الاختياريّة ، فكذا لا إشكال في الاستصحاب فيها حكما وكذا موضوعا فيما كان هناك يقين سابق وشكّ لاحق ؛ لصحّة التنزيل ، وعموم الدليل. وكونه أصلا عمليّا إنّما هو بمعنى أنّه وظيفة الشاكّ تعبّدا قبالا للأمارات الحاكية عن الواقعيّات ، فيعمّ العمل بالجوانح كالجوارح. وأمّا التي كان المهمّ فيها شرعا وعقلا هو القطع بها ومعرفتها فلا مجال له موضوعا ، ويجري حكما ، فلو كان متيقّنا بوجوب تحصيل القطع بشيء ـ كتفاصيل القيامة ـ في زمان وشكّ في بقاء وجوبه يستصحب.
وأمّا لو شكّ في حياة إمام زمان فلا يستصحب لأجل ترتيب لزوم معرفة إمام زمانه ، بل يجب تحصيل اليقين بموته أو حياته مع إمكانه ، ولا يكاد يجدي في مثل وجوب المعرفة عقلا أو شرعا إلّا إذا كان حجّة من باب إفادته الظنّ ، وكان المورد ممّا يكتفى به أيضا ، فالاعتقاديّات كسائر الموضوعات لا بدّ في جريانه فيها من أن يكون في المورد أثر شرعي يتمكّن من موافقته مع بقاء الشكّ فيه ، كان ذاك متعلّقا بعمل الجوارح أو الجوانح (١).
والتحقيق : النبوّة كالولاية والإمامة تكون من المناصب المجعولة كما يستفاد من ظواهر الآيات ، كقوله تعالى : (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(٢) ، ولا تكون ناشئة من كمال النفس بمثابة يوحى إليها قهرا ، وإن
__________________
(١) كفاية الاصول ٢ : ٣٣٨ ـ ٣٣٩.
(٢) البقرة : ١٢٤.
![دراسات في الأصول [ ج ٤ ] دراسات في الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3694_dirasat-fi-alusul-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
