(فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ) فإنه قبل ذلك يكون فيه ميل واعوجاج لأجل ضعف سوقه ، وإذا استغلظ الساق واشتدت السنبلة استقرت ومنه : قد استوى بشر على العراق.
فإنه يتضمن استقراره وثباته عليها ودخوله دخول مستقر ثابت غير مزلزل ، وهذا يستلزم الاستيلاء أو يتضمنه ، فالاستيلاء لازم معنى الاستواء لا في كل موضع ، بل في الموضع الذي يقتضيه ، ولا يصلح الاستيلاء في كل موضع يصلح فيه الاستواء ، بل هذا له موضع ، وهذا له موضع ولهذا لا يصلح أن يقال استولت السنبلة على ساقها ، ولا استولت السفينة على الجبل ؛ ولا استولى الرجل على السطح إذا ارتفع فوقه.
الوجه التاسع عشر : إنه لو كان المراد بالبيت استيلاء القهر والملك لكان المستوي على العراق عبد الملك بن مروان لا أخوه بشر ، فإن بشرا لم يكن ينازع أخاه الملك ولم يكن ملكا مثله ، وإنما كان نائبا له عليها وواليا من جهته ، فالمستولي عليها هو عبد الملك لا بشر ، بخلاف الاستواء الحقيقي وهو الاستقرار فيها والجلوس على سريرها ؛ فإن نواب الملوك تفعل هذا بإذن الملوك.
الوجه العشرون : إنه لا يقال لمن استولى على بلدة ولم يدخلها ولم يستقر فيها بل بينه وبينها بعد كثير : أنه قد استوى عليها ، فلا يقال استوى أبو بكر على الشام ولا استوى عمر على مصر والعراق ، ولا قال أحد قط استوى رسول الله صلىاللهعليهوسلم على اليمن مع أنه استولى هو وخلفاؤه على هذه البلاد ، ولم يزال الشعراء يمدحون الملوك والخلفاء بالفتوحات ، ويتوسعون في نظمهم واستعارتهم ، فلم يسمع عن قديم منهم ، جاهلي ولا إسلامي ولا محدث أنه مدح أحدا قط أنه استوى على البلد الفلاني الذي فتحه واستولى عليه ، فهذه دواوينهم وأشعارهم موجودة.
الوجه الحادي والعشرون : إنه إذا دار الأمر بين تحريف لغة العرب وحمل لفظها على معنى لم يعهد استعماله فيه البتة ، وبين حمل المضاف المألوف حذفه كثيرا
