إيجازا واختصارا ، فالحمل على حذف المضاف أولى ، وهذا البيت كذلك ، فإنا إن حملنا لفظ استوى فيه على استولى حملناه على معنى لم يعهد استعماله فيه البتة ، وإن حملناها على حذف المضاف وتقديره قد استوى على سرير العراق حملناه على معهود مألوف ، فيقولون قعد فلان على سرير الملك ، فيذكرون المضاف إيضاحا وبيانا ، ويحذفون تارة إيجازا واختصارا ، إذ قد علم المخاطب أن القعود والاستواء والجلوس الذي يضاف ويقصد به الملك يستلزم سرير الملك. فحذف المضاف أقرب إلى لغة القوم من تحريف كلامهم ، وحمل لفظ على معنى لفظ آخر لم يعهد استعماله فيه.
الوجه الثاني والعشرون : إنه كيف يجوز أن ينزل الله بآيات متعددات في كتابه الذي أنزله بلسان العرب ، ويكون معنى ذلك الخطاب مشهورا على لغتهم معروفا في عادة نظامهم ، فلا يريد ذلك المعنى ويأتي بلفظ يدل على خلافه ويطرد استعماله في موارده كلها بذلك اللفظ الذي لم يرد معناه ، ولا يذكر في موضع واحد باللفظ الذي يريد معناه ، فمن تصور هذا جزم ببطلانه وإحالة نسبته إلى من قصده البيان والهدى.
الوجه الثالث والعشرون : إنه لو أريد ذلك المعنى المجازي لذكر في اللفظ قرينة تدل عليه فإن المجاز إن لم يقترن به قرينة وإلا كانت دعواه باطلة لأنه خلاف الأصل ولا قرينة معه ، ومعلوم أنه ليس في موارد الاستواء في القرآن والسنة موضع واحد قد اقترنت به قرينة تدل على المجاز ، فكيف إذا كان السياق يقتضي بطلان ما ذكر من المجاز ، وأن المراد هو الحقيقة.
الوجه الرابع والعشرون : إن تجريد الاستواء من اللام واقترانه بحرف على وعطف فعله بثم على خلق السموات والأرض ، وكونه بعد أيام التحليق وكونه سابقا في الخلق على السموات والأرض ، وذكر تدبير أمر الخليقة معه الدال على كمال الملك ، فإن العرش سرير المملكة ، فأخبر أن له سريرا كما قال أمية :
|
مجدوا الله فهو للمجد أهل |
|
ربنا في السماء أمسى كبيرا |
