الوجه الثاني عشر : إن الإجماع منعقد على أن الله سبحانه استوى علي عرشه حقيقة لا مجاز ، قال الإمام أبو عمر الطلمنكي أحد أئمة المالكية ، وهو شيخ أبي عمر بن عبد البر في كتابه الكبير الذي سماه «الوصول إلى معرفة الأصول» فذكر فيه من أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ، وأقوال مالك وأئمة أصحابه ما إذا وقف عليه الواقف ، علم حقيقة مذهب السلف ، وقال في هذا الكتاب : أجمع أهل السنة على أن الله تعالى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز.
الوجه الثالث عشر : قال الإمام أبو عمر بن عبد البر في كتاب «التمهيد» في شرح حديث النزول : وفيه دليل على أن الله تعالى في السماء مستو على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة ، وقرر ذلك إلى أن قال : وأهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في القرآن والسنة والإيمان بها ، وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يجدون فيه صفة مخصوصة وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة والخوارج ، فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها علي الحقيقة ويزعمون أن من أقرّ بها مشبه ، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود.
قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره المشهور في قوله : (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) (طه : ٥) هذه المسألة للفقهاء فيها كلام ، ثم ذكر قول المتكلمين ثم قال : وقد كان السلف الأول لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق في كتابه ، وأخبرت به رسله ، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة ، وإنما جهلوا كيفية الاستواء كما قال مالك : الاستواء معلوم والكيف مجهول.
الوجه الرابع عشر : إن الجهمية لما قالوا إن الاستواء مجاز صرح أهل السنة بأنه مستو بذاته على عرشه وأكثر من صرح بذلك أئمة المالكية ، فصرح به الإمام أبو محمد بن أبي زيد في ثلاثة مواضع من كتبه أشهرها «الرسالة» ، وفي كتاب «جامع النوادر» ، وفي كتاب «الآداب» فمن أراد الوقوف على ذلك فهذه كتبه.
