التي تعطي الحياة الإنسانية حيوية وانفتاحا ووسيلة غنيّة تدفع نحو التعارف واكتشاف الخصوصيات هنا وهناك.
إنها وحدة الإنسان ، من خلال وحدة الله ، كما توحي به وحدة العبادة أمام وحدة المعبود ، فهي تنطلق من ذاتيتها ، لا من العوامل الطارئة عليها ، فالكل عباد الله ، في ما تختزنه شخصياتهم من سرّ العبودية لله المنطلقة من معنى المخلوقيّة فيهم ، في حاجتهم إليه في كل شيء ، وما يوحيه ذلك من إذعان بربوبيته المهيمنة على الوجود كله في عمقه ، وامتداده ، وشموله ، وفي كل تفاصيله.
وهذا ما يريد الله أن يثيره في الناس لكي يلتقوا ويجتمعوا ويتعارفوا ويتعبّدوا إليه من موقع الوحدة في العبادة التي تحرك فيهم الإحساس بالمسؤولية في القيام بواجباتهم في دوائرهم الصغيرة التي تتصل بالدائرة الكبيرة ، لئلا ينغلقوا على خصوصياتهم ، بل يرون العموم في الخصوصية ، والشمول ، في الحدود.
(إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ) التي توحي بإنسانيتكم في الخصائص والمعاني والآفاق الموحّدة ، حتى في دائرة التنوع ، (أُمَّةً واحِدَةً) في ما تعنيه من الفكر الواحد ، والخط المشترك ، والهدف الموحد ، فلا تجعلوا الإنسانية حالة طارئة ، ليكون الذاتي فيكم هو العائلية أو الإقليمية أو القومية ، لتجعلوا ذلك أساسا للانقسام والتمزّق ، بل انطلقوا فيها من مواقع الإنسانية التي تذكركم بالوحدة التي تلغي كل إحساس بالبعد أو التنافر ، أو الفرقة والخلاف. وفي ضوء ذلك نعرف أن الوحدات الصغيرة في الدائرة الإنسانية الشاملة لا تخضع للإلغاء المطلق في نظرة الإسلام إلى التنظيم الاجتماعي ، بل يعمل الإسلام على أن يجعل لها دورا محدودا في حركته لتتحول إلى نوع من الإحساس الذاتي بها على مستوى العاطفة والشعور والخصائص القريبة ، بعيدا عن كل تعصب أو
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3280_tafsir-men-wahi-alquran-15%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
