زكريا ينادي ربه
(وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) فقد بلغ زكريا من العمر عتيّا ولم يرزقه الله ولدا ، وكان يحب ألّا يترك الحياة إلّا وله ولد يرثه ويرث من آل يعقوب ، لتستمر به الرسالة ، في كل الأجواء التي عاشها في الصلاح والخير وحركة الحياة ... وهكذا كان يتمنى ألا يعيش الوحدة في الحياة ، التي يعيشها الإنسان العاقر الذي لا يمتد ظله معه ولا يجد أحدا يستعين به في مواجهة الصعوبات ، أو يستعين به على الواقع .. وهكذا نجد أن هذا العبد الصالح ، قد عبّر عن تمنياته الروحية المتحركة من طبيعته الإنسانية في ما أودعه فيه من الخصائص التي يرتبط فيها بالجانب البشرى ، ليتكامل مع الجانب النبوي في حياته. وكان الدعاء الخاشع هو التعبير الصارخ الواعي عن لهفة الحياة في أعماقه ..
(فَاسْتَجَبْنا لَهُ) بعد أن بلغ به العمر مداه ، وكاد اليأس أن يأخذ منه مأخذا ، (وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى) في ما يشبه المعجزة الخارقة للعادة ، (وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ) التي كانت في سنّ لا يساعدها على الحمل.
(إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) لأن الخير لم يكن في حياتهم حالة طارئة ، أو انفعالا سريعا ، بل كان قيمة روحية تتحرك في خط العقيدة ، وحركة الرسالة على أساس المسؤولية المنفتحة على الناس كلهم ، الذين يحتاجون الخدمات على كافة مستوياتها الفكرية والروحية والحياتية ... وبذلك كانت مواقع الخير ، فرصة كبيرة ، تلامس الفرح الروحي في شخصيتهم ، كما لو كانت المسألة مسألة لذّة ، أو شهوة ، أو منفعة ، ولذا يسارعون إلى اغتنام الفرصة التي تفتح أبواب الخير أمامهم.
وكان هذا الخير الذي يتحرك في عمق شخصيتهم ، نتيجة للإيمان بالله ، والانفتاح عليه ، وهم يعتبرونه أساسا للمسؤولية في مواجهتهم لقضايا الحياة التي
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3280_tafsir-men-wahi-alquran-15%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
