من المواقع التي يريد الله له أن يكون فيها ، بل كان ذلك من موقع الاعتقاد بأن المهمة قد انتهت بالفشل ، من دون أن يكون لها بديل ، (وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) الذين عاشوا الإيمان في روحيتهم وفي فكرهم وفي حياتهم فكرا ودينا ورسالة ودعوة وموقفا للحياة ، حيث أخلصوا لله العبادة. هؤلاء يتعهدهم الله برعايته فينجيهم من كل بلاء ، ويفتح لهم أبواب الرحمة من أوسع الآفاق الرحيمة المنطلقة بالعفو والرضوان.
وهكذا نستوحي من هذه القصة الخاطفة ، أن الله قد يبتلي الدعاة المؤمنين من عباده ورسله ، في ما يمكن أن يكونوا قد قصّروا فيه ، أو تهرّبوا منه من مسئوليات ، وأن الداعية قد يضعف أمام حالات الفشل الأولى ، أو أوضاع الضغط القاسية ، أو مشاكل الظروف الصعبة .. ، كنتيجة لفكرة انفعالية سريعة أو لشعور حادّ غاضب ، ثم يلطف الله بهم ، بعد أن يتراجعوا عن ذلك ، ويرجعوا إليه ، فينجيهم من بلائه ، ويحوطهم بنعمائه ، ويسبغ عليهم من ألطافه وآلائه ، لئلا يتعقد الخطأ ، أو الانفعال في شخصيتهم ، لينطلقوا إلى الحياة من روحية الصفاء الروحي ، والنقاء الشعوري من جديد ، ليبدأوا الدعوة من حيث انتهوا ، ويتابعوا المسيرة بعزم وقوة وإخلاص.
ثم نلتقي مع الموقف المبدئي ، بالابتهالات الخاشعة الخاضعة لله المنطلقة من روحيّة الإحساس بالعبودية التي يشعر المؤمن معها بأن الله يلتقيه في مواقع الإنابة ، مهما كانت الخطايا والذنوب ، وأن الخطأ لا يتحوّل الى عقدة ، بل إلى فرصة للقاء بالله من جديد في مواقع التوبة الحقيقية الخالصة التي يبدأ فيها التائب تاريخا جديدا وصفحة بيضاء من حياته.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3280_tafsir-men-wahi-alquran-15%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
