بل في مجال إظهار موقع سليمان في النبوة ، بالطريقة التي توحي بالثقة به. ولكن الجوابين لا يخلوان من غموض ، لأن النسخ لا يمنع خطأ داود في حكمه ، ولو بلحاظ هذه الحالة في هذا الزمان ، كما أن الظاهر من الآية أنهما كانا ينطلقان من منطلق واحد ، فلا تباين ولا تعدد أمام إظهار الخطأ ليبدو حكم سليمان في دائرة الصواب ، فهذا لا يتناسب مع طبيعة الواقع ، باعتبار أن مجرد اعتماد داود على سليمان ووضعه في موقع الحكم يمكن أن يؤدي هذه المهمة ، من دون الإساءة إلى مقام داود ، فإن مثل هذا الأسلوب يبعث على فقدان الثقة بحكمه.
وربما كان أساس الحكم واحدا في المسألة ، وهو ضمان صاحب الغنم للزرع ، ولكن الاختلاف هو في طريقة تنفيذه ، فحكم داود برقابها لصاحب الحرث ، وحكم سليمان بما هو أرفق منه ، وهو أن يستوفي ما أتلفت من ماله من منافعها في تلك السنة ، مع ملاحظة أن قيمة الزرع تساوي قيمة رقاب الغنم كما أن قيمة الرقبة تساوي منافعها المستوفاة في كل سنة عادة. وبذلك لم يختلفا في حكم الله وإنما اختلفا في إجرائه في الدائرة التي يملكان فيها الحرية في التطبيق ، في ما يكون مرجع الأمر فيه إلى رأي الحاكم في الموارد التي لا تشتمل على تشريع محدّد ، كما في موارد التعزيرات وأمثالها من التفاصيل التي تقع في منطقة الفراغ التشريعي ، فيكون للحاكم أن يملأه بما يكون صالحا ، وبذلك يكون تفهيم الله لسليمان المسألة ، هو الإيحاء له بالأسلوب الأرفق في إجراء الحكم بالضمان. وقد لا يكون هناك أي مانع عقليّ في خطأ النبيّ بهذا المستوى ، إذا كان ذلك لمصلحة أخرى ، في تربية نبي آخر على الحكم ، وإظهار فضله ، وإذا كان هذا النبي الموعود ابنا للنبي الأول ، وخاضعا له ومعترفا بفضله ، مما لا يبعث على الإساءة إليه. وقد لا يكون من الضروريّ أن يكون في ذلك إساءة لموقعه لدى الناس ، لأن الناس قد اعتادوا على اختلاف الحاكمين في الحكم ، مع اعترافهم بأنهما ينطلقان من علم ومعرفة ، لا سيما
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3280_tafsir-men-wahi-alquran-15%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
