ولا يجوز أن تأتي ب «اللام» إلّا مع «الكاف» ، ويجوز دخول حرف التّنبيه على سائر أسماء الإشارة إلّا مع «اللّام» ، فيمتنع للطول.
وبعض النحويين لم يذكر له إلّا رتبتين : دنيا وغيرها (١). واختلف النحويون في «ذا» هل هو ثلاثي الوضع أم أصله حرف واحد؟
الأول قول البصريين ، ثم اختلفوا هل عينه ولامه ياء ، فيكون من باب «حيي» ، أو عينه واو ولامه ياء فيكون من باب «غويت» ثم حذفت لامه تخفيفا ، وقلبت العين ألفا لتحركها ، وانفتاح ما قبلها ، وهذا كله على سبيل التّمرين.
وأيّا فهذا مبني ، والمبني لا يدخله تصريف ، وإنما جيء هنا بإشارة البعيد تعظيما للمشار إليه ؛ ومنه : [الطويل]
|
١٠١ ـ أقول له والرّمح يأطر متنه |
|
تأمّل خفافا إنّني أنا ذلكا (٢) |
أو لأنه لما نزل من السّماء إلى الأرض أشير إليه بإشارة البعيد.
أو لأنه كان موجودا به بنبيّه عليه الصلاة والسلام.
أو أنه أشير به إلى ما قضاه وقدّره في اللّوح المحفوظ.
وفي عبارة المفسرين أشير بذلك إلى الغائب يعنون البعيد ، وإلا فالمشار إليه لا يكون إلا حاضرا ذهنا أو حسّا ، فعبروا عن الحاضر ذهنا بالغائب أي حسّا وتحريرا لقول ما ذكرته لك. وقال الأصمّ وابن كيسان (٣) : إن الله ـ تعالى ـ أنزل قبل سورة «البقرة»
__________________
(١) ذهب أكثر النحويين إلى أن الإشارة ثلاثة مراتب : قربى ؛ ولها المجرد ، ووسطى ؛ ولها ذو الكاف ، وبعدى ؛ ولها ذو الكاف واللام وصححه ابن الحاجب ، واختلف على هذا في مرتبة أولئك بالمد ، فقيل : هؤلاء وسطى كأولاك وقيل : للبعدى ؛ كأولالك. قال أبو حيان : ويستدل للأول بقوله :
|
يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا |
|
من هؤليائكن الضال والسمر |
لأن هاء التثنية لا تصحب ذا البعيد ، وصحّح ابن مالك أن لاسم الإشارة مرتبتين ، وقال : إنه ظاهر من كلام المتقدّمين ، ونسبه الصفار إلى سيبويه ، واحتج له ابن مالك بأن المشار شبيه بالمنادى ، والنحويون مجمعون على أن المنادى ليس له إلا مرتبتان ؛ فلحق بنظيره ؛ وبأن الفراء نقل أن بني تميم ليس من لغتهم استعمال اللام مع الكلام ، والحجازيين ليس من لغتهم استعمال الكاف بلا لام ؛ فلزم من هذا أن اسم الإشارة على اللغتين ليس له إلا مرتبتان ، وبأن القرآن لم يرد فيه المجرد من اللام دون الكاف ، فلو كان له مرتبة أخرى ، لكان القرآن غير جامع لوجوه الإشارة ، فإنه لو كانت المراتب ثلاثة ، لم يكتف في التثنية والجمع بلفظين وهي وجوه حسنة ، إلا أن دعوى الإجماع في الأول مردودة بما ذكرناه ـ انظر همع الهوامع : (١ / ٧٥ ـ ٧٦).
(٢) البيت لخفاف بن ندبة ، ينظر الأغاني : ٢ / ١٢٩ ، الخزانة : ٢ / ٤٧١ ، معاني القرآن : ١ / ٢٩ ، النكت والعيون : ١ / ٦٧ ، الدر : ١ / ٩١.
(٣) محمد بن أحمد بن إبراهيم ، أبو الحسن المعروف بابن كيسان : عالم بالعربية من أهل بغداد أخذ عن المبرد وثعلب ، من كتبه المهذب في النحو ، غريب الحديث ، معاني القرآن ، المختار في علل النحو توفي في ٢٩٩ ه. ـ ـ ينظر إرشاد الأريب : ٦ / ٢٨ ، معجم المطبوعات : ٢٢٩ ، نزهة الألبا : ٣٠١ ، شذرات الذهب : ٢ / ٢٣٢ ، كشف الظنون : ١٧٠٣ ، الأعلام : ٥ / ٣٠٨.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3089_allubab-fi-ulum-alkitab-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
