|
يظن الغمر أن الكتب تجدي |
|
أخا ذهن لإدراك العلوم (١) |
|
وما يدري الجهول بأن فيها |
|
غوامض حيرت عقل الفهيم |
|
إذا رمت العلوم بغير شيخ |
|
ضللت عن الصراط المستقيم |
|
وتلتبس الأمور عليك حتى |
|
تصير أضل من توما الحكيم (٢) |
وله لغز في قيراط زاعما أنه لا يفك : [بحر الطويل]
|
وما اسم خماسي إذا ما فككته |
|
يصير لنا فعلين أمرا وماضيا |
|
بعكس وهو كل وجزء وجمعه |
|
بإبدال عين حاز فيه التناهيا (٣) |
|
ومع كونه فردا وجمعا فأول |
|
وآخره أضحى لشخص معاديا |
|
وفي عكسه صوت فتبنيه صيغة |
|
وتبني بمعناه وما أنت بانيا |
|
فكم فيه من معنى خفي وإنما |
|
عنيت بذكري للذي ليس خافيا |
ثم قال الرعيني : وهو شيخ فاضل ، ما رأيت مثله ، كثير الضحك والانبساط ، بعيد عن الانقباض ، جيد الكلام ، حسن اللقاء ، جميل المؤانسة ، فصيح الكلام ، طلق السان ، ذو لمة (٤) وافرة ، وهمة فاخرة ، له وجه مستدير ، وقامته معتدلة التقدير ، ليس بالطويل ولا بالقصير ، انتهى ما لخصته من كلام الرعيني.
ولما قدم الأستاذ أبو حيان إلى مصر أوصى أهله بقوله : ينبغي للعاقل أن يعامل كل أحد في الظاهر معاملة الصديق ، وفي الباطن معاملة العدو في التحفظ منه والتحرز ، وليكن في التحرز من صديقه أشد من التحرز من عدوه ، وأن يعتقد أن إحسان شخص إلى آخر وتودده إليه إنما هو لغرض قام له فيه يتعلق به يبعثه على ذلك لا لذات ذلك الشخص ، وينبغي أن يترك الإنسان الكلام في ستة أشياء : في ذات الله تعالى ، وما يتعلق بصفاته ، وما يتعلق بأحوال أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين! وفي التعرض لما جرى بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين! وفي التعرض أيضا لأئمة المذاهب رحمهم الله تعالى ورضي عنهم! وفي الطعن على صالحي الأمة نفع الله بهم! وعلى أرباب المناصب والرتب من أهل زمانه ، وأن لا يقصد أذى
__________________
(١) الغمر : الجاهل الذي لم يجرب الأمور.
(٢) توما الحكيم : هو الذي يضرب فيه المثل بالجهل. وفيه قيل :
|
قال حمار الحكيم توما |
|
لو أنصف الدهر كنت أركب |
|
لأنني جاهل بسيط |
|
وصاحبي جهله مركب |
(٣) كذا في أ. وفي ب ، ه : «حار فيه التناهيا».
(٤) اللمة : الشعر الذي يتجاوز شحمة الأذن.
![نفح الطّيب [ ج ٣ ] نفح الطّيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2799_nafh-altayeb-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
