عن هذا : بعد نفسك مما يؤذيك (١) ، فالأسد ونحوه ، ويقدر مثل : (اتّق) في بعضها كالمثال المذكور (٢).
قيل : لفظ (الأسد) في (إيّاك والأسد) خارج (٣) عن النوعين فينبغي أن لا يكون تحذيرا ، وليس كذلك (٤) ، فإنه أيضا تحذير ، وأجيب بأنه تابع للتحذير ، والتوابع خارجة عن المحدود (٥) ، بدليل ذكرها فيما بعد.
(وتقول) (٦) في قسمي النوع الأول (إيّاك من الأسد) كما كنت تقول (إيّاك والأسد) (و (من أن تحذف) كما كنت تقول : (إيّاك وأن تحذف).
__________________
(١) وفيه بحث مشهور ، وهو أنه إذا كان معنى نفسك نفسك : بعّد نفسك مما يؤذيك لم يكن نفسك نفسك من النوع الثاني ومحذرا منه بل محذرا ، فأجاب عنه بعض المحققين بما حاصله : أنّ المراد التحذير من النفس بتبعيدها عن الرذائل التي تؤذيك ؛ فإنّك إذا لم تبعد من الرذائل يصيبك منها المحن والشدائد ، فالنفس محذر منه لا محذر ، ويمكن أن يقال في الجواب : يجوز أن يكون ما في مما يؤذيك مصدرية. ومن للتعليل والأجل ، والمعنى : بعد نفسك من أجل إيذاء النفس إياك كإيذاء الأسد ، وحينئذ يكون النفس أيضا محذرا منه (عصمة الله).
(٢) لأنّه في معنى : اتق الطريق ، أي : اتق عن الأشياء المؤذية التي يكون في الطريق واحدة أو متعددة ، فيكون من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال (توقادي).
(٣) لأنّه إن فرض دخوله في النوع الأول ليس محذرا بل محذرا منه ، وإن فرض دخوله في النوع الثاني ليس مكررا فحينئذ على أي : تقدير يكون خارجا من المحدود (رضا).
(٤) بل يكون تحذيرا لأنّه يصدق أنه معمول بتقدير : اتق تحذيرا مما بعده ؛ بأن يكون المراد من قول مما بعده أعمّ من أن يكون لفظا أو تقديرا ، فحينئذ يكون الأسد تحذيرا مما بعده تقديرا ، وعلى هذا التقدير يكون معناه : اتق إياك عن الأسد ، والأسد من الصياد ، تأمل هذا الاحتمال إذا لم يقل مع من ، وإذا قال مع من لا يكون الأسد إلا محذرا منه تأمل.
(٥) وفيه نظر ؛ لأن كونه تابعا لا يخرجه عن التحذير ، كما أنّ (عمرو) في جاءني زيد وعمرو لا يخرج عن الفاعلية بكونه تابعا.
(٦) يعني : يستعمل التحذير على وجهين : أحدهما : بحرف الجر ، وحرف الجر قد يذكر لفظا داخلا على اسم ، نحو : إياك من الأسد. وقد يكون داخلا على أن مع ما في حيزه ، نحو : إياك من أن تخذف ، والثاني : أن يذكر بحرف العطف إما داخلا على الاسم ، نحو : إياك والأسد ، أو على أنّ مع حيزه ، نحو : إياك وأن تخذف ، وقد يحذف حرف الجر من أن ، فيقال : إياك أن تخذف ، أي : من أن تخذف ، ولا يحذف من الاسم ، فلا يقال : إياك الأسد ، أي : من الأسد ، وإنما حذف حرف الجر من أن ولم يجز حذفه من الاسم لأنّ أن مستطال بصلة فناسب تخفيفه فحذف حرف الجر منه بخلاف الاسم المفرد ؛ فإنّه لا طول فيه (شرح اللباب).
![شرح ملّا جامي [ ج ١ ] شرح ملّا جامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2277_sharh-mulla-jami-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
