النصوص دلّت على التقصير في هذا المسير ، ولو كان دون البريد لما جاز القصر فيه بالإجماع ، بل الظاهر أنّ المسافة بينهما بريد أربعة فراسخ من دون زيادة ولا نقصان كما تقتضيه روايتا عمّار المتقدّمتان (١).
وينصّ عليه ما في «القاموس (٢)» أنّ عرفات موقف الحاج على اثني عشر ميلا من مكّة. وصرّح الأزرقي في «تاريخ مكّة (٣)» بتحديد المسافة بالاثني عشر وعيّن مواضع الأميال وبيّن أعلامها لكنّه جعلها من المسجد الحرام إلى موقف الإمام بعرفات ، وقال : إنّ ما بينهما بريد سواء لا يزيد ولا ينقص. وهذا يعطي أنّ المسافة بين بلدة مكّة المشرّفة وموقف الحاج دون البريد ، ولا التفات إلى ذلك بعد ما سمعت من النصوص ولا إلى ما يقال : إنّ ما بين موقف الحجيج من عرفة إلى مكّة نحو من تسعة أميال كما حكاه الفيّومي في «المصباح المنير (٤)». نعم ما بين عرفة من جهة بئر المجاز وهي أبعد حدودها عن الموقف في المعروف ما يقرب من تلك المسافة. ولعلّ المراد بالموقف في كلام هذا القائل ما يصحّ فيه الوقوف لا الموقف المعروف ، فيرتفع الخلاف. والحكم بالقصر في الروايات قاض بإرادة الموقف المعهود وأنّه من مكّة على رأس البريد ، فلا إشكال.
وإيجاب القصر في هذه الروايات على أهل مكّة في خروجهم إلى عرفات يدلّ على وجوب التقصير في بريد لمريد الرجوع لا ليومه ، لأنّ المراد بخروجهم إليها خروجهم حجّاجاً كما وقع التصريح في بعضها (٥) ، ودلّ عليه شاهد الحال في سائرها.
والخروج بهذا القصد لا يتأتّى معه الرجوع لليوم إذا كان على الوجه المعهود
__________________
(١) لم يتقدّم من عمّار إلاّ رواية واحدة في ص ٣٤٨ وهو غير مرتبط بالمقام ، والظاهر أنّ هنا
سقطاً وهو لفظ «معاوية» فالصحيح : معاوية بن عمّار المتقدّمان ، وهما اللذان تقدّما في ص ٣٦٧.
(٢) القاموس المحيط : ج ٣ ص ١٧٣ مادّة «عرفة».
(٣) أخبار مكّة : في عدد الأميال من المسجد الحرام إلى موقف الإمام بعرفة ج ٢ ص ١٩٠.
(٤) المصباح المنير : ص ٤٠٥ مادّة «عرفة».
(٥) وسائل الشيعة : ب ٣ من أبواب صلاة المسافر ح ٨ ج ٥ ص ٥٠٠.
![مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلّامة [ ج ١٠ ] مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلّامة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2122_miftah-alkaramah-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
