والوجه في الحديث حمله على حجّتهم مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حال إقامته بمكّة قبل الهجرة دون حجّة الوداع ، فقد جاء في عدّة أخبار (١) أنّه حجّ بها قبل أن يهاجر عشر حجج أو عشرين حجّة وأنّه حجّ من المدينة حجّة واحدة هي حجّة الوداع ، وفي بعضها (٢) : «ولم يحجّ حجّة الوداع إلاّ وقد حجّ قبلها» أو يحمل على أنّه (عليه السلام) أمر أهل مكّة في حجّة الوداع بالتقصير ، فكان وجوب التقصير عليهم لأجل أمره لا للتأسّي.
ومعنى قوله (عليه السلام) «كأنّهم لم يحجّوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقصّروا» أنّهم لم يحجّوا معه فقصّروا امتثالا لأمره إيّاهم لا اتّباعاً لما فعله من القصر. وفي كلا الوجهين بُعدٌ لكن لا مندوحة عنهما في رفع الإشكال.
وما رواه المفيد في «المقنعة» في باب زيادات فقه الحجّ في جملة أخبار رواها واعتمدها في الباب قال : قال (عليه السلام) : ويلٌ لهؤلاء القوم الّذين يتمّون الصلاة بعرفات أما يخافون الله؟ فقيل له : فهو سفر؟ فقال : وأيّ سفر أشدّ منه (٣).
فهذه الأحاديث كما ترى دلّت على وجوب التقصير على أهل مكّة إذا ذهبوا إلى عرفات بطرق متعدّدة ووجوه معتمدة من الأمر بالتقصير والنهي عن الإتمام والتوبيخ عليه والدعاء عليهم بالويل وتخطئتهم بالفعل وقوله (عليه السلام) «أما يخافون الله ، وكأنّهم لم يحجّوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأيّ سفر أشدّ منه» وقد اجتمع في جملة منها وجهان ممّا ذكر وأكثر ، وفي البعض بلاغ في تأدية المطلب وتوفية المقصد ، وهي مع ذلك صحيحة الإسناد ومعتضدة بقرينة الاعتماد.
ومعلوم أنّ المسافة ما بين مكّة وعرفة لا تبلغ ثمانية فراسخ كما تشهد به المشاهدة والعيان فضلا عن المساحة والامتحان ولا ينقص عن الأربعة ، لأنّ
__________________
في صلاة المسافر ج ١ ص ١٥٧ س ٩. ونسبت إلى فخر المحقّقين كما في الرياض : ج ٤ ص ٤٦٢.
(١) وسائل الشيعة : ب ٤٥ من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه ح ٥ و ٦ و ٧ ج ٨ ص ٨٨.
(٢) المصدر السابق : ح ١٩ ج ٨ ص ٩١ وح ١١ ص ٨٩.
(٣) المقنعة : باب ٩ من الزيادات في فقه الحجّ ص ٤٤٨.
![مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلّامة [ ج ١٠ ] مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلّامة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2122_miftah-alkaramah-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
