من ذلك صورا يلتحق بها ما هو في معناها : فمنها قوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ، وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها...) (البقرة : ١٨٩) الآية ؛ فقد يقال : أيّ رابط بين أحكام الأهلة وبين أحكام (١) إتيان البيوت؟ والجواب من وجوه :
(أحدها) كأنه (٢) قيل لهم عند سؤالهم عن الحكمة في تمام الأهلّة ونقصانها : معلوم أنّ كلّ ما يفعله [٦ / ب] الله فيه (٣) حكمة ظاهرة ، ومصلحة لعباده ، فدعوا السؤال عنه ، وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم ؛ مما ليس من البرّ في شيء وأنتم تحسبونها برّا.
(الثاني) أنه من باب الاستطراد ؛ لمّا ذكر أنها مواقيت للحج ؛ وكان هذا من أفعالهم في الحج ؛ ففي الحديث (٤) أنّ ناسا من الأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ولا دارا ولا فسطاطا من باب ؛ فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته ؛ منه يدخل ويخرج ، أو يتخذ سلّما يصعد به. وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء ؛ فقيل لهم : ليس البرّ بتحرجكم من دخول الباب ؛ لكن البرّ برّ من اتّقى ما حرّم الله ؛ وكان من حقهم السؤال عن هذا وتركهم السؤال عن الأهلّة. ونظيره في الزيادة على الجواب قوله صلىاللهعليهوسلم لما سئل عن التوضّي (٥) بماء البحر فقال : «هو الطّهور ماؤه ، الجلّ ميتته» (٦).
(الثالث) أنه من قبيل التمثيل لما هم عليه ؛ من تعكيسهم في سؤالهم ؛ وأنّ مثلهم
__________________
(١) في المطبوعة (حكم).
(٢) في المخطوطة : (أنه).
(٣) في المخطوطة : (فهو).
(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢ / ١٠٩) من رواية الزهري في تفسير قوله تعالى (لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها).
(٥) في المطبوعة : (المتوضئ).
(٦) الحديث أخرجه مالك في الموطأ ١ / ٢٢ ، كتاب الطهارة (٢) ، باب الطهور للوضوء (٣) الحديث (١٢) ، والشافعي في الأم ١ / ٣ ، كتاب الطهارة ، وأحمد في المسند ٢ / ٣٦١ ، في مسند أبي هريرة رضياللهعنه ، والدارمي في السنن ١ / ١٨٥ ، ١٨٦ ، كتاب الوضوء ، باب الوضوء من ماء البحر ، وأبو داود في السنن ١ / ٦٤ ، كتاب الطهارة (١) ، باب الوضوء بماء البحر (٤١) ، الحديث (٨٣) ، والترمذي في السنن ١ / ١٠٠ ، كتاب الطهارة (١) ، باب في ماء البحر أنه طهور (٥٢) ، الحديث (٦٩) وقال : (حسن صحيح) ، والنسائي في السنن ١ / ٥٠ ، كتاب الطهارة (١) ، باب ماء البحر (٤٧) ، وابن ماجة في السنن ١ / ١٣٦ ، كتاب الطهارة (١) ، باب الوضوء بماء البحر (٣٨) ، الحديث (٣٨٦).
![البرهان في علوم القرآن [ ج ١ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2086_alburhan-fi-ulum-quran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
