ونهاية قوة البطش ، ومع الصورة المخصوصة ، وغير متعارف ، وهو الذي له تلك الجراءة ، وتلك القوة ، لا مع تلك الصورة ، بل مع صورة أخرى ، على نحو ما ارتكب المتنبي هذا الادعاء في عدّ نفسه وجماعته من جنس الجنّ ، وعدّ جماله من جنس الطير ، حين قال :
|
نحن قوم من الجنّ في زيّ ناس |
|
فوق طير ، لها شخوص الجمال (١) |
مستشهدا لدعواه هاتيك بالمخيّلات العرفية.
وأن تخصص القرينة بنفيها المتعارف الذي سبق إلى الفهم ؛ ليتعين الآخر.
ومن البناء على هذا التنويع قوله : [عمرو بن معديكرب]
تحيّة بينهم ضرب وجيع (٢)
وقولهم «عتابك السيف» وقوله تعالى : (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (٨٩) [الشّعراء : الآيتان ٨٨ ، ٨٩].
ومنه قوله : [عامر بن الحارث]
|
وبلدة ليس بها أنيس |
|
إلّا اليعافير ، وإلّا العيس (٣) |
وإذ قد عرفت معنى الاستعارة ، وأنها مجاز لغوي ؛ فاعلم أن الاستعارة تفارق الكذب من وجهين :
بناء الدعوى فيها على التأويل ، ونصب القرينة على أن المراد بها خلاف ظاهرها ؛ فإن الكاذب يتبرّأ من التأويل ، ولا ينصب دليلا على خلاف زعمه.
وأنها لا تدخل في الأعلام ، لما سبق من أنها تعتمد إدخال المشبه في جنس المشبه به ، والعلميّة تنافي الجنسيّة ، وأيضا لأن العلم لا يدل إلا على تعيّن شيء من غير
__________________
(١) البيت من الخفيف ، ورواية صدر البيت في ديوان المتنبي ١ / ١٦٦ :
نحن ركب ملجن في زي ناس
(٢) صدر البيت :
وخيل قد دلفت لها بخيل
والبيت من الوافر ، وهو لعمرو بن معديكرب في ديوانه ص ١٤٩ ، وخزانة الأدب ٩ / ٢٥٢ ، وشرح أبيات سيبويه ٢ / ٢٠٠ ، والكتاب ٣ / ٥٠ ، ونوادر أبي زيد ص ١٥٠ ، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١ / ٣٤٥ ، والخصائص ١ / ٣٦٨ ، وشرح المفصل ٢ / ٨٠ ، والمقتضب ٢ / ٢٠.
(٣) الرجز لجران العود في ديوانه ص ٩٧ ، وخزانة الأدب ١٠ / ١٥ ، والدرر ٣ / ١٦٢ ، وشرح أبيات سيبويه ٢ / ١٤٠ ، وشرح التصريح ١ / ٣٥٣ ، وشرح المفصل ٢ / ١١٧ ، والمقاصد النحوية ٣ / ١٠٧ ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢ / ٩١ ، والإنصاف ١ / ٢٧١.
