لها ؛ فلا يقال : اتّسعت اليد في البلد ، أو اقتنيت يدا ، كما يقال : اتّسعت النعمة في البلد ، أو : اقتنيت نعمة ، وإنما يقال : جلّت يده عندي ، وكثرت أياديه لديّ ، ونحو ذلك.
ونظير هذا قولهم في صفة راعي الإبل : إن له عليها إصبعا ، أرادوا أن يقولوا : له عليها أثر حذق ، فدلّوا عليه بالإصبع ؛ لأنه ما من حذق يد إلا وهو مستفاد من حسن تصريف الأصابع. واللطف في رفعها ووضعها ، كما في الحطّ والنّقش ، وعلى ذلك قيل في تفسير قوله تعالى : (بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ) (٤) [القيامة : الآية ٤] أي نجعلها كخفّ البعير ؛ فلا يتمكن من الأعمال اللطيفة ، فأرادوا بالإصبع الأثر الحسن ، حيث يقصد الإشارة إلى حذق في الصنعة لا مطلقا حتى يقال : رأيت أصابع الدار ، وله إصبع حسنة وإصبع قبيحة ، على معنى له أثر حسن وأثر قبيح ، ونحو ذلك.
وينظر إلى هذا قولهم : ضربته سوطا ؛ لأنهم عبّروا عن الضربة الواقعة بالسوط باسم السوط ؛ فجعلوا أثر السوط سوطا ، وتفسيرهم له بقولهم : المعنى : ضربته ضربة بالسوط ؛ بيان لما كان الكلام عليه في أصله.
ونظير قولنا : «له عليّ يد» قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لأزواجه : «أسرعكنّ لحوقا ـ ويروى لحاقا ـ بي أطولكنّ يدا» (١) ، وقوله : «أطولكن» نظير ترشيح الاستعارة ، ولا بأس أن يسمى ترشيح المجاز ، والمعنى بسط اليد بالعطاء.
وقيل : قوله «أطولكن» من الطّول بمعنى الفضل ، يقال : لفلان على فلان طول ، أي : فضل ؛ فاليد على هذين الوجهين بمعنى النعمة. ويحتمل أن يريد : أطولكن يدا بالعطاء ، أي : أمدّكنّ ، فحذف قوله : «بالعطاء» للعلم به.
وكاليد أيضا إذا استعملت في القدرة ؛ لأن أكثر ما يظهر سلطانها في اليد ، وبها يكون البطش ، والضرب ، والقطع ، والأخذ ، والدفع ، والوضع ، والرفع ، وغير ذلك من الأفعال التي تنبىء عن وجود القدرة ومكانها.
وأما اليد في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم : «المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمّتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم» (٢) فهو استعارة والمعنى أن مثلهم مع كثرتهم في وجوب الاتفاق بينهم مثل اليد الواحدة ، فكما لا يتصوّر أن يخذل بعض أجزاء اليد بعضا ، وأن
__________________
(١) أخرجه البخاري في الزكاة باب ١١ ، والنسائي في الزكاة باب ٥٩.
(٢) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ١٤٧ ، والديات باب ١١ ، والنسائي في القسامة باب ١٠ ، ١٣ ، وابن ماجة في الديات باب ٣١ ، وأحمد في المسند ١ / ١١٩ ، ١٢٢ ، ٢ / ١٨٠ ، ١٩٢ ، ٢١١ ، ٢١٥.
