|
أخو نعاس جدّ في التّمطّي |
|
قد خامر النوم ولم يغطّ |
والفرق بين هذا والأول أن الأول صريح في الاستمرار على الهيئة والاستدامة لها دون بلوغ الصفة غاية ما يمكن أن يكون عليها ، والثاني بالعكس.
قال الشيخ عبد القاهر : وشبيه بالأول في الاستقصاء قول ابن الرّومي في المصلوب أيضا :
|
كأن له في الجوّ حيلا يبوعه |
|
إذا ما انقضى حبل أبيح حبل (١) |
فقوله : «إذا ما انقضى حبل أتيح له حبل» كقوله : «مواصل لتمطيه من الكسل» في التنبيه على استدامة الشّبه ، لأنه إذا كان لا يزال يبوع حبلا لم يقبض باعه ، ولم يرسل يده ، وفي ذلك بقاء شبه المصلوب على الاتصال.
والمركّب العقليّ كالمنظر المطمع مع المخبر المؤيس الذي هو على عكس ما قدر ، في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ) [النّور : الآية ٣٩] ، شبّه ما يعمله من لا يقرن الإيمان المعتبر بالأعمال التي يحسبها تنفعه عند الله وتنجيه من عذابه ، ثم يخيب في العاقبة أمله ، ويلقى خلاف ما قدّر ، بسراب يراه الكافر بالساهرة وقد غلبه عطش يوم القيامة ، فيحسبه ماء ؛ فيأتيه ، فلا يجد ما رجاه ، ويجد زبانية الله عنده ؛ فيأخذونه ، فيعتلونه إلى جهنم ، فيسقونه الحميم والغسّاق.
فهو كما ترى منتزع من أمور مجموعة قرن بعضها إلى بعض ؛ وذلك أنه روعي من الكافر فعل مخصوص ، وهو حسبان الأعمال نافعة له ، وأن تكون للأعمال صورة مخصوصة ، وهي صورة الأعمال الصالحة التي وعد الله تعالى بالثواب عليها بشرط الإيمان به وبرسله عليهم السّلام ؛ وأنها لا تفيدهم في العاقبة شيئا ، وأنهم يلقون فيها عكس ما أمّلوه وهو العذاب الأليم ، وكذا في جانب المشبّه به.
وكحرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمّل التعب في استصحابه ، كما في قوله تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) [الجمعة : الآية ٥] فإنه أيضا منتزع من أمور مجموعة قرن بعضها إلى بعض ؛ وذلك أنه روعي من الحمار فعل مخصوص ، وهو الحمل ، وأن يكون المحمول شيئا مخصوصا وهي الأسفار التي هي أوعية العلوم ، وأن الحمار جاهل ما فيها ، وكذا في جانب المشبه.
__________________
(١) البيت من الطويل ، وهو في أسرار البلاغة ص ١١٦.
