وكذا ما كتب به الصاحب إلى القاضي أبي الحسن ، وقد أهدى له الصاحب عطر القطر :
|
يا أيها القاضي الذي نفسي له |
|
مع قرب عهد لقائه مشتاقه (١) |
|
أهديت عطرا مثل طيب ثنائه |
|
فكأنما أهدي له أخلاقه |
فإنه لما كان الثناء يشبّه بالعطر ويشتقّ له منه ؛ تخيّله شيئا له رائحة طيبة وشبّه العطر به ، ليوهم أنه أصل في الطّيب ، وأحقّ به منه.
وكذا قول الآخر : [العلوي الأصفهاني]
|
كأنّ انتضاء البدر من تحت غيمة |
|
نجاء من البأساء بعد وقوع (٢) |
فإنه لما رأى الخلاص من شدّة يشبّه بخروج البدر من تحت الغيم بانحساره عنه ؛ قلب التشبيه ليري أن صورة النجاء من البأساء لكونها مطلوبة فوق كل مطلوب ـ أعرف من صورة انتضاء البدر من تحت غيمه.
وإذا علم أن وجه الشبه هو ما يشترك فيه الطرفان ؛ علم فساد جعله في قول القائل : «النحو في الكلام كالملح في الطعام» كون القليل مصلحا والكثير مفسدا. لأن القلّة والكثرة إنما يتصوّر جريانهما في الملح ، وذلك بأن يجعل منه في الطعام القدر المصلح أو أكثر منه ، دون النحو. فإنه إذا كان من حكمه رفع الفاعل ونصب المفعول ـ مثلا ـ فإن وجد ذلك في الكلام فقد حصل النحو فيه ، وانتفى الفساد عنه ، وصار منتفعا به في فهم المراد منه ، وإلا لم يحصل وكان فاسدا لا ينتفع به. فالوجه فيه : هو كون الاستعمال مصلحا ، والإهمال مفسدا ؛ لاشتراكهما في ذلك.
ومما يتصل بهذا ، ما حكي أن ابن شرف القيرواني ، أنشد ابن رشيق قوله :
|
غيري جنى ، وأنا المعاتب فيكم |
|
فكأنني سبّابة المتندّم (٣) |
وقال له : «هل سمعت هذا المعنى؟» فقال ابن رشيق : «سمعته وأخذته أنت ، وأفسدته» أما الأخذ فمن النابغة الذبياني ، حيث يقول :
|
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة |
|
وهل يأثمن ذو إمّة وهو طائع (٤) |
__________________
(١) الرجز ، ولم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي.
(٢) البيت من الطويل ، وهو في أسرار البلاغة ص ٢٠٠ ، والمفتاح ص ١٤٧.
(٣) البيت بلا نسبة في المطوّل شرح تلخيص مفتاح العلوم ص ٢٧١.
(٤) البيتان من الطويل ، وهما للنابغة الذبياني في ديوانه ص ٣٥ ، ٣٧ ، ولسان العرب (أمم) ، (عرر) ، ومقاييس اللغة ١ / ٢٨ ، وكتاب العين ٨ / ٤٢٨ ، وتهذيب اللغة ١٥ / ٦٣٥ ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٢٤٧ ، ومجمل اللغة ١ / ١٥٢.
