|
صببنا عليها ـ ظالمين ـ سياطنا |
|
فطارت بها أيد سراع وأرجل (١) |
وضرب يقع في آخر الكلام ، كقوله تعالى : (فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ) [المائدة : الآية ٥٤] فإنه لو اقتصر على وصفهم بالذّلة على المؤمنين ؛ لتوهّم أن ذلّتهم لضعفهم ، فلما قيل : (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ) علم أنها منهم تواضع لهم ، ولذا عدّي الذّل بـ «على» لتضمينه معنى العطف ، كأنه قيل : عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع. ويجوز أن تكون التعدية بـ «على» لأن المعنى : أنهم مع شرفهم ، وعلوّ طبقتهم وفضلهم على المؤمنين ؛ خافضون لهم أجنحتهم.
ومنه قول ابن الرومي ، فيما كتب به إلى صديق له : «إني وليّك الذي لا يزال تنقاد إليك مودّته عن غير طمع ولا جزع ، وإن كنت لذي الرغبة مطلبا ، ولذي الرهبة مهربا».
وكذا قول الحماسيّ :
|
رهنت يدي بالعجز عن شكر برّه |
|
وما فوق شكري للشّكور مزيد (٢) |
وكذا قول كعب بن سعد الغنوي :
|
حليم إذا ما الحلم زيّن أهله |
|
مع الحلم في عين العدوّ مهيب (٣) |
فإنه لو اقتصر على وصفه بالحلم ، لأوهم أن حلمه عن عجز ؛ فلم يكن صفة مدح ؛ فقال : «إذا ما الحلم زين أهله» فأزال هذا الوهم ، وأما بقية البيت : فتأكيدا للازم ما يفهم من قوله : «إذا ما الحلم زين أهله» من كونه غير حليم حين لا يكون الحلم زينا لأهله ؛ فإن من لا يكون حليما حين لا يحسن الحلم لأهله ؛ يكون مهيبا في عين العدو لا محالة ، فعلم أن بقية البيت ليست تكميلا ، كما زعم بعض الناس.
ومنه قول الحماسيّ :
|
وما مات منّا سيّد في فراشه |
|
ولا طلّ منّا حيث كان قتيل (٤) |
فإنه لو اقتصر على وصف قومه بشمول القتل إياهم ؛ لأوهم أن ذلك لضعفهم
__________________
(١) البيت من الطويل ، وهو في زهر الآداب ١ / ٨٨.
(٢) البيت من الكامل ، ولم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي.
(٣) البيت من الطويل ، وهو لكعب بن سعد الغنوي في لسان العرب (حلب) ، وجمهرة أشعار العرب ص ٧٠٧ ، ولغريقة بن مسافع العبسي في الأصمعيات ص ١٠٠ ، ويرى محقق الأصمعيات أن القصيدة التي منها هذا البيت لكعب بن سعد لا لغريقة ، انظر الأصمعيات ص ٩٨ ، الحاشية.
(٤) البيت من الطويل ، وهو للمسوأل بن عادياء في ديوانه ص ٩١ ، وأمالي القالي ١ / ٢٧٢ ، وديوان الحماسة ١ / ٥٨.
