أو لتكمل اللذة بالعلم به. فإن الشيء إذا حصل كمال العلم به دفعة لم يتقدّم حصول اللذة به ألم ، وإذا حصل الشعور به من وجه دون وجه ، تشوّفت النفس إلى العلم بالمجهول ، فيحصل لها بسبب المعلوم لذّة ، وبسبب حرمانها عن الباقي ألم. ثم إذا حصل لها العلم به : حصلت لها لذة أخرى ، واللذة عقب الألم أقوى من اللذة التي لم يتقدمها ألم.
أو لتفخيم الأمر وتعظيمه ، كقوله تعالى : (قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) (٢٦) [طه : الآيتان ٢٥ ، ٢٦] ، فإن قوله : (اشْرَحْ لِي) يفيد طلب شرح لشيء ما له ، وقوله : (صَدْرِي) يفيد تفسيره وبيانه ، وكذلك قوله : (وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) (٢٦) [طه : الآية ٢٦] والمقام مقتض للتأكيد ، وللإرسال المؤذن بتلقّي المكاره والشدائد ، وكقوله تعالى : (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) (٦٦) [الحجر : الآية ٦٦] ففي إبهامه وتفسيره تفخيم للأمر ، وتعظيم له.
ومن الإيضاح بعد الإبهام : باب «نعم وبئس» على أحد القولين ؛ إذ لو لم يقصد الإطناب لقيل : نعم زيد ، وبئس عمرو.
ووجه حسنه ـ سوى الإيضاح بعد الإبهام ـ أمران آخران :
أحدهما : إبراز الكلام في معرض الاعتدال ، نظرا إلى إطنابه من وجه ، وإلى اختصاره من آخر. وهو حذف المبتدأ في الجواب.
والثاني : إيهام الجمع بين المتنافيين.
ومنه التوشيع ، وهو أن يؤتى في عجز الكلام بمثنّى مفسّر باسمين أحدهما معطوف على الآخر ، كما جاء في الخبر : «يشيب ابن آدم ، ويشيب فيه خصلتان : الحرص ، وطول الأمل» (١) وقول الشاعر : [عبد الله بن المعتز]
|
سقتني في ليل شبيه بشرها |
|
شبيهة خدّيها بغير رقيب (٢) |
|
فما زلت في ليلين : شعر وظلمة |
|
وشمسين : من خمر ، ووجه حبيب |
وقول البحتريّ :
|
لما مشين بذي الأراك تشابهت |
|
أعطاف قضبان به ، وقدود (٣) |
__________________
(١) الحديث أخرجه أحمد في المسند ٣ / ١١٥ ، ١١٩ ، ١٦٩ ، ١٩٢ ، ٢٥٦ ، ٢٧٥ ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ١٠ / ٢٣٩ ، والعجلوني في كشف الخفاء ٢ / ٥٤٦.
(٢) البيتان لعبد الله بن المعتز في حاشية الدسوقي ٢ / ٧٤٣ ، والأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم ٢ / ٨٥.
(٣) الأبيات من الكامل ، وهي في ديوان البحتري ص ١٢٦.
