وإما للتوسط بين حالتي كمال الانقطاع وكمال الاتصال ، وهو ضربان :
أحدهما : أن يتّفقا خبرا أو إنشاء ، لفظا ومعنى ، كقوله تعالى : (إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) (١٤) [الانفطار : الآيتان ١٣ ، ١٤] ، وقوله : (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ) [الرّوم : الآية ١٩] ، وقوله : (يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ) [النساء : الآية ١٤٢] ، وقوله تعالى : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) [الأعراف : الآية ٣١].
والثاني : أن يتفقا كذلك معنى لا لفظا ، كقوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا) [البقرة : الآية ٨٣] عطف قوله : (قُولُوا) [البقرة : الآية ١٣٦] على قوله : (لا تَعْبُدُونَ) [البقرة : الآية ٨٣] لأنه بمعنى : لا تعبدوا ، وأما قوله : (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) [البقرة : الآية ٨٣] فتقديره : إما «وتحسنون» بمعنى «وأحسنوا» وإما «وأحسنوا» وهذا أبلغ من صريح الأمر والنّهي ؛ لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه.
وأما قوله في سورة البقرة : (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة : الآية ٢٥] فقال الزمخشري فيه : فإن قلت : علام عطف هذا الأمر ، ولم يسبق أمر ولا نهي يصح عطفه عليه؟ قلت : ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر ، حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه ، إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين ؛ فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين ، كما تقول : زيد يعاقب بالقيد والإرهاق ، وبشّر عمرا بالعفو والإطلاق ، ولك أن تقول : هو معطوف على (فَاتَّقُوا) [البقرة : الآية ٢٤] كما تقول : يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم ، وبشّر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم ، هذا كلامه ، وفيه نظر لا يخفى على المتأمل.
وقال أيضا في قوله تعالى في سورة الصف : (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [البقرة : الآية ٢٢٣] : إنه معطوف على (تُؤْمِنُونَ) [النّساء : الآية ٥٩] لأنه بمعنى : آمنوا ، وفيه أيضا نظر ؛ لأن المخاطبين في (تُؤْمِنُونَ) [النّساء : الآية ٥٩] هم المؤمنون ، وفي (بَشَرٌ) [آل عمران : الآية ٤٧] هو النبي عليه السّلام ، ثم قوله : (تُؤْمِنُونَ) [النّساء : الآية ٥٩] بيان لما قبله على سبيل الاستئناف ، فكيف يصح عطف (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [البقرة : الآية ٢٢٣] عليه؟
وذهب السكاكي إلى أنهما معطوفان على «قل» مرادا قبل : (يا أَيُّهَا النَّاسُ) [البقرة : الآية ٢١] ، (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) [الصّف : الآية ١٠] ؛ لأن إرادة القول بواسطة انصباب الكلام إلى معناه غير عزيزة في القرآن ، وذكر صورا كثيرة ، منها قوله تعالى : (وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا) [البقرة : الآية ٥٧] وقوله : (وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ
